تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه - الدرة
· محمد علي طه الدرة
﴿مَيْتاً:﴾ حال من: ﴿لَحْمَ أَخِيهِ،﴾ أو من: ﴿أَخِيهِ﴾ نفسه. ﴿فَكَرِهْتُمُوهُ:﴾ الفاء: هي الفصيحة، التقدير: إن صحّ ما ذكر؛ فاكرهوا. (كرهتموه): فعل، وفاعل، والميم علامة جمع الذكور، وحركت بالضم لتحسين اللفظ، فتولدت واو الإشباع، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية لا محلّ لها مع الشرط المقدر، وجملة: ﴿وَاتَّقُوا اللهَ﴾ معطوفة على جملة (اجتنبوا) و (لا تجسسوا) لا محلّ لها مثلهما، وما بينهما اعتراض. وقيل: معطوفة على ما قبلها على تأويلها؛ بالأمر كما رأيت، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ اللهَ تَوّابٌ رَحِيمٌ﴾ تعليل للأمر، لا محلّ لها.
﴿يا أَيُّهَا النّاسُ إِنّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقاكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (١٣)﴾
الشرح: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ إِنّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى﴾ يعني: آدم، وحواء. أو خلقنا كل واحد منكم من أب، وأم. قال ابن عباس-﵄: نزلت في ثابت بن قيس بن شماس، وقوله في الرجل الذي لم يفسح له: ابن فلانة، فقال النبي ﷺ: «من الذاكر فلانة». قال ثابت:
أنا يا رسول الله! قال: «انظر في وجوه القوم». فنظر، فقال: «ما رأيت يا ثابت؟!». قال: رأيت أبيض، وأحمر وأسود، قال: «فإنك لا تفضلهم إلا بالدّين والتقوى». فنزلت في ثابت، ونزل في الذي لم يفسح له: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجالِسِ..﴾. إلخ، الاية رقم [١١] من سورة (المجادلة).
وقيل: لما كان يوم فتح مكة أمر رسول الله ﷺ بلالا؛ حتى علا على ظهر الكعبة، وأذن.
فقال عتّاب بن أسيد بن العيص: الحمد لله الذي قبض أبي، ولم ير هذا اليوم! وقال الحارث بن هشام: أما وجد محمد غير هذا الغراب الأسود مؤذنا؟! وقال سهيل بن عمرو: إن يكره الله شيئا يغيّره! وقال أبو سفيان: إني لا أقول شيئا، أخاف أن يخبره ربّ السماء! فنزل جبريل ﵇، فأخبر رسول الله ﷺ بما قالوا، وسألهم عمّا قالوا، فأقرّوا، فأنزل الله هذه الاية، وزجرهم عن التفاخر بالأنساب، والتكاثر بالأموال، والازدراء بالفقراء. انتهى. خازن، وقرطبي.
وزاد القرطبي سببا ثالثا لنزول الاية، قال: أمر رسول الله ﷺ بني بياضة أن يزوجوا أبا هند (مولى لهم) امرأة منهم، فقالوا: نزوج بناتنا موالينا؟! فأنزل الله ﷿ الاية، وذكر هذا السبب السيوطي في أسباب النزول، وخذ ما يلي:
فعن جابر بن عبد الله-﵄-قال: خطبنا رسول الله ﷺ بمنى في وسط أيام التشريق فقال: «أيّها النّاس إنّ ربّكم واحد، وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربيّ على عجميّ، ولا لعجمي على عربيّ، ولا لأحمر على أسود، ولا لأسود على أحمر إلاّ بالتّقوى، إن أكرمكم
Juz 9, hlm. 193 ›
عند الله أتقاكم، ألا هل بلّغت؟! قالوا: بلى يا رسول الله! قال: فليبلّغ الشاهد الغائب». رواه البيهقي. وعن أبي هريرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا كان يوم القيامة أمر الله مناديا ينادي: ألا إني جعلت نسبا، وجعلتم نسبا، فجعلت أكرمكم أتقاكم، فأبيتم إلاّ أن تقولوا:
فلان بن فلان خير من فلان بن فلان، فاليوم أرفع نسبي، وأضع نسبكم». رواه الطبراني والبيهقي.
وعن أبي هريرة-﵁-عن النبي ﷺ: «إنّ الله أذهب عنكم عبّيّة الجاهليّة، وفخرها بالاباء، الناس بنو آدم، وآدم من تراب: مؤمن تقيّ، وفاجر شقيّ، لينتهينّ أقوام يفتخرون برجال، إنما هو فحم من فحم جهنّم، أو ليكوننّ أهون على الله من الجعلان، التي تدفع النتن بأنفها». رواه أبو داود، والترمذي. وخذ قول علي-﵁-وهو مشهور من شعره: [البسيط] النّاس من جهة التمثيل أكفاء... أبوهم آدم والأمّ حوّاء
فإن يكن لهم من أصلهم حسب... يفاخرون به فالطين والماء
ما الفضل إلاّ لأهل العلم إنهم... على الهدى لمن استهدى أدلاّء
وقدر كلّ امرئ ما كان يحسنه... وللرجال على الأفعال سيماء
وضدّ كلّ امرئ ما كان يجهله... والجاهلون لأهل العلم أعداء
وخذ هذين البيتين وهما الشاهد رقم [٢١٠] من كتابنا: «فتح رب البرية»: [الطويل] لعمرك ما الإنسان إلا ابن يومه... على ما تجلّى يومه، لا ابن أمسه
وما الفخر بالعظم الرميم وإنّما... فخار الّذي يبغي الفخار بنفسه
وخذ بيتين آخرين: [المنسرح] كن ابن من شئت واكتسب أدبا... يغنيك محموده عن النّسب
إنّ الفتى من قال ها أنا ذا... ليس الفتى من قال كان أبي
﴿وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا:﴾ ليعرف بعضكم بعضا، لا للتفاخر بالاباء، والقبائل، والأنساب هذا؛ وطبقات الناس عند العرب سبع، وهي: الشعب، والقبيلة، والعمارة، والبطن، والفخذ، والفصيلة، والعشيرة. فالشعب يجمع القبائل، والقبيلة تجمع العمائر، والعمارة تجمع البطون، والبطن تجمع الأفخاذ، والفخذ تجمع الفصائل، والفصيلة تجمع العشائر، وليس بعد العشيرة شيء يوصف عند العرب. واستحدث اسم الأسرة والعائلة لما يشمل الزوج، والزوجة، وأولادهما الذين يعيشون في دار واحدة، وقد نظم بعض الأدباء طبقات العرب بقوله: [الخفيف]
Juz 9, hlm. 194 ›
اقصد الشعب فهو أكثر حيّ... عددا في الحواء ثمّ القبيلة
ثم تتلوها العمارة ثم ال... بطن والفخذ بعدها والفصيله
ثمّ من بعدها العشيرة لكن... هي في جنب ما ذكرناه قليله
هذا؛ والشّعب بمعنى ما تقدم هو بفتح الشين، وهو بكسرها الطريق في الجبل، أو ما انفرج بين الجبلين، والناحية أيضا، وجمعه: شعاب، وجمع الأول: شعوب، كما في الاية.
﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقاكُمْ:﴾ فإن التقوى تكمل بها النفوس، وتتفاضل بها الأشخاص، وترتفع بها الدرجات في أعلى الجنات، فمن أراد شرفا، وعزا، وكرامة فليلتمس ذلك منها، قال النبي ﷺ: «من سرّه أن يكون أكرم الناس؛ فليتّق الله». وعن ابن عباس-﵄: (كرم الدنيا الغنى، وكرم الاخرة التقوى) وقيل: (أكرم الكرم التقوى، وألأم اللؤم الفجور). وخلاصة التقوى: العمل بالتنزيل، والخوف من الجليل، والاستعداد ليوم الرحيل. قال ميمون بن مهران:
لا يكون الرجل من المتقين حتى يحاسب نفسه أشد من محاسبته شريكه. وقال الحسن: ما زالت التقوى بالمتقين؛ حتى تركوا كثيرا من الحلال مخافة الحرام. قال الشاعر: [البسيط] لم يجدك الحسب العالي بغير تقى... مولاك شيئا فحاذر واتق الله
وابغ الكرامة في نيل الفخار به... فأكرم النّاس عند الله أتقاها
وقال الأعشى: [الطويل] إذا أنت لم ترحل بزاد من التقى... ولاقيت بعد الموت من قد تزوّدا
ندمت على ألاّ تكون كمثله... وأنك لم ترصد كما كان أرصدا
هذا؛ ويظن كثير من الناس أنّ تقوى الله بكثرة الصلاة، والصيام، وأداء فريضة الحج، ثم هم لا يأتمرون بمعروف، ولا ينتهون عن منكر، يؤذون الناس، ويعتدون على حرماتهم، ثم هم لا يتورّعون عن أكل أموال الناس بالباطل، وهذا ظن خاطئ، وزعم فاسد. قال عمر بن عبد العزيز-﵁: ليس تقوى الله بصيام النهار، ولا بقيام الليل، والتخليط فيما بين ذلك، ولكن تقوى الله ترك ما حرّم الله، وأداء ما افترض الله، فمن رزق بعد ذلك خيرا؛ فهو خير إلى خير. هذا؛ وعن عطية بن عروة السعدي-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرا لما به بأس». رواه الترمذي.
الإعراب: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ:﴾ انظر الاية رقم [١] هذا؛ وبعضهم يعرب ﴿النّاسُ﴾ وأمثاله نعتا، وبعضهم يعربه بدلا، والقول الفصل: أن الاسم الواقع بعد أي وبعد اسم الإشارة، إن كان مشتقا؛ فهو نعت، وإن كان جامدا كما هنا؛ فهو بدل، أو عطف بيان، والمتبوع أعني: «أيّ» منصوب
Juz 9, hlm. 195 ›
Pembahasan ayat ini masih 1 halaman lagi. Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.