فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب (حاشية الطيبي على الكشاف)
· الطيبي
والمعنى: واتقوا الله بترك ما أمرتم باجتنابه، والندم على ما وجد منكم منه، فإنكم إن اتقيتم تقبل الله توبتكم، وأنعم عليكم بثواب المتقين التائبين.
وعن ابن عباس: أن سلمان كان يخدم رجلين من الصحابة، ويسوّي لهما طعامهما، فنام عن شأنه يومًا، فبعثاه إلى رسول الله ﷺ يبغي لهما إدامًا، وكان أسامة على طعام رسول الله ﷺ، فقال: ما عندي شيء، فأخبرهما سلمان، فعند ذلك قالا: لو بعثناه إلى بئر سميجة لغار ماؤها، فلما راحا إلى رسول الله ﷺ، قال لهما: مالي أرى خضرة اللحم في أفواهكما، فقالا: ما تناولنا لحمًا، فقال: إنكما قد اغتبتما، فنزلت.
[﴿يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوبًا وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ ١٣]
﴿مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى﴾ من آدم وحوّاء. وقيل: خلقنا كل واحد منكم من أبٍ وأمٍّ، فما منكم أحدٌ إلا وهو يدلي بمثل ما يدلي به الآخر، سواءً بسواء، فلا وجه للتفاخر والتفاضل في النسب. والشعب: الطبقة الأولى من الطبقات الست التي عليها العرب، وهي: الشعب، والقبيلة، والعمارة، والبطن، والفخذ، والفصيلة. فالشعب يجمع القبائل، والقبيلة تجمع العمائر، والعمارة تجمع البطون، والبطن تجمع الأفخاذ، ........
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (إلى بئر سميجة): بالجيم على التصغير، ويروى: "سحيمة" بالحاء المهملة، قيل: هي بئر من آبار مكة، ولم أجدلها ذكرًا في الكتب المعتبرة.
قوله: (خضرة اللحم): النهاية: "في الحديث: "أن الدنيا حلوة خضرة"، أي: غضة طرية ناعمة".
قوله: (وهو يدلي): المغرب: "فلان يدلي إلى الميت بذكر، أي: يتصل، ودلاه من سطح بحبل، أي: أرسله، فتدلى".
Juz 14, hlm. 505 ›
والفخذ تجمع الفصائل؛ خزيمة شعب، وكنانة قبيلة، وقريش عمارة، وقصي بطن، وهاشم فخذ، والعباس فصيلة. وسميت الشعوب؛ لأنّ القبائل تشعبت منها.
وقرئ: "لتتعارفوا" و"لتعارفوا" بالإدغام، و"لتعرفوا"، أي: لتعلموا كيف تتناسبون، و"لتتعرفوا". والمعنى: أنّ الحكمة التي من أجلها رتبكم على شعوب وقبائل هي أن يعرف بعضكم نسب بعض، فلا يعتزى إلى غير آبائه، لا أن تتفاخروا بالآباء والأجداد، وتدعوا التفاوت والتفاضل في الأنساب.
ثم بين الخصلة التي بها يفضل الإنسان غيره، ويكتسب الشرف والكرم عند الله، فقال: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ﴾، وقرئ: "أنّ" بالفتح، كأنه قيل: لم لا يتفاخر بالأنساب؟ فقيل: لأنّ أكرمكم عند الله أتقاكم لا أنسبكم.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (و"لتعرفوا"): قال ابن جني: "وهي قراءة ابن عباس، والمفعول محذوف، أي: لتعرفوا ما أنتم محتاجون إليه، كقوله:
وما علم الإنسان إلا ليعلما
أي: ليعلم ما علمته، أي: ليعلم ما يدعو إلى علم ما علمه، وما أعذب هذا الحذف، وما أغربه لمن يعرف مذهبهم".
قوله: (ثم بين الخصلة التي بها يفضل الإنسان غيره): يعني: فصل قوله: ﴿إنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ عما قبله ليكون الكلام الأول كالمورد للسؤال، وذلك أنه تعالى لما علل الخلق بالتعارف، على معنى: ليس التشعب والقبائل للتفاضل والتفاخر، بل لأن يعرف بعض
Juz 14, hlm. 506 ›
وعن النبي ﷺ: أنه طاف يوم فتح مكة، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «الحمد الله الذي أذهب عنكم عبية الجاهلية وتكبرها، يا أيها الناس، إنما الناس رجلان: مؤمن تقي كريم على الله، وفاجر شقيّ هين على الله»، ثم قرأ الآية. وعنه ﵇: "من سرّه أن يكون أكرم الناس فليتق الله". وعن ابن عباس: كرم الدنيا الغنى، وكرم الآخرة التقوى.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الخلق بعضًا، ويتميز شخص من شخص، فقيل: بأي شيء التفاخر؟ ومن الذي يستحق المأثرة والمفخرة؟ فقيل: من هو أتقى لله وأخشى له، ومن يكون عالمًا بالله وبصفاته.
قال في "المرشد": "الوقف على ﴿لِتَعَارَفُوا﴾ تام، وقال أبو حاتم: ولا يجوز: لتعرفوا أن أكرمكم عن الله أتقاكم، لم يجعلهم شعوبًا وقبائل ليعرفوا أن أكرمهم عند الله أتقاهم، وإنما جعلهم كذلك ليعرف بعضهم نسب بعض وقرابته".
قوله: (أنه طاف يوم فتح مكة) الحديث: من رواية الترمذي عن ابن عمر: "أن رسول الله ﷺ خطب الناس يوم فتح مكة فقال: يا أيها الناس، أن الله قد أذهب عنكم عبية الجاهلية وتعاظمها بآبائها، فالناس رجلان؛ برتقي كريم على الله، وفاجر شقي هين على الله، الناس كلهم بنو آدم، وخلق الله آدم من تراب، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وأُنثَى وجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ ".
النهاية: "عبية الجاهلية: الكبر، وتضم عينها وتكسر، وهي "فعولة" أو" فعلية"، فإن كانت "فعولة" فهي من التعبية، لأن المتكبر ذو تلكف وتعبية، وإن كانت "فعلية" فهي من عياب الماء، وهو أوله وارتفاعه".
Juz 14, hlm. 507 ›
Pembahasan ayat ini masih 1 halaman lagi. Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.