تفسير ابن كثير - ط أولاد الشيخ
· ابن كثير
العالمين﴾ ".
وفي الدعاء المأثور، عن أبي الدرداء، وروي مرفوعًا (¬١١٢): " اللَّهم لك الملك كله، ولك الحمد كله، وإليك يرجع الأمر كله؛ أسألك من الخير كله، وأعوذ بك من الشر كله".
﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٥٥) وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦)﴾
أرشد ﵎ عباده إلى دعائه، الذي هو صلاحهم في دنياهم وأخراهم، فقال: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ معناه: تذللاً واستكانة، ﴿وخفية﴾ كما قال: ﴿واذكر ربك في نفسك﴾ الآية. وفي الصحيحين (¬١١٣) عن أبي موسى الأشعري، قال: رفع الناس أصواتهم بالدعاء، فقال رسول الله ﷺ: "أيها الناس اربَعُوا على أنفسكم؛ فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبًا، إن الذي تدعونه [سميع قريب] [¬١] ". الحديث.
وقال ابن جريج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس في قوله: ﴿تضرعًا وخفية﴾ قال: السر.
وقال ابن جرير [¬٢]: ﴿تضرعًا﴾ تذللًا واستكانة لطاعته، ﴿وخفية﴾ يقول: بخشوع قلوبكم، وصحة اليقين بوحدانيته وربوبيته فيما بينكم وبينه، لا جهارًا و [¬٣] مراءاة.
Juz 6, hlm. 321 ›
وقال عبد الله بن المبارك، عن المبارك بن فضالة، عن الحسن قال: إن [¬١] كان الرجل لقد جمع القرآن وما يشعر به جاره الناس، وإن كان الرجل لقد فقه الفقه الكثير وما يشعر به الناس، وإن كان الرجل ليصلى الصلاة الطويلة في بيته، وعنده الزَّوْر [¬٢]، وما يشعرون به. ولقد أدركنا أقوامًا ما كان على الأرض من عمل يقدرون أن يعملوه في السر فيكون علانية أبدًا، ولقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء، وما يسمع لهم صوت، إن كان إلا همسًا بينهم وبين ربهم، وذلك أن الله تعالى يقول: ﴿ادعوا ربكم تضرعًا وخفية﴾ وذلك أن الله ذكر عبدًا صالحًا رضي فعله، فقال: ﴿إذ نادى ربه نداء خفيًّا﴾.
وقال ابن جريج: يكره رفع الصوت والنداء والصياح في الدعاء، ويؤمر بالتضرع والاستكانة. ثم روى عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس في قوله: ﴿إنه لا يحب المعتدين﴾ في الدعاء، ولا في غيره.
وقال أبو مجلز: ﴿إنه لا يحب المعتدين﴾ لا يسأل منازل الأنبياء.
وقال الإمام أحمد بن حنبل (¬١١٤) ﵀: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا شعبة، عن زياد بن مخراق، سمعت أبا عيلة [¬٣]، عن مولى لسعد: أن سعدًا سمع ابنًا له يدعو وهو [¬٤] يقول: اللَّهم، إني أسألك الجنة ونعيمها وإستبرقها، ونحوًا من هذا، وأعوذ بك من النار وسلاسلها وأغلالها، فقال: لقد سألت الله خيرًا كثيرًا [¬٥]، وتعوذت به [¬٦] من شر كثير، وإني سمعت رسول الله، ﷺ، يقول: "إنه سيكون قوم يعتدون في الدعاء". وقرأ هذه
Juz 6, hlm. 322 ›
الآية: ﴿ادعوا ربكم تضرعًا وخفية إنه لا يحب المعتدين﴾. وإن بحسبك أن تقول: اللَّهم إني أسألك الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل، وأعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول أو عمل.
ورواه أبو داود (¬١١٥) من حديث شعبة، عن زياد بن مخراق، عن أبي نعامة، عن ابن لسعد، عن سعد. فذكره، والله أعلم.
وقال الإمام أحمد (¬١١٦): حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، أخبرنا الجريري، عن أبي نعامة: أن عَبد الله بن مغفل سمع ابنه يقول: اللهم، إني أسألك القصر الأبيض عن يمين الجنة، إذا دخلتها، فقال: يا بنى، سل الله الجنة وعُذْ به من النار، فإني سمعت رسول الله، ﷺ، يقول: "يكون قوم يعتدون في الدعاء والطهور".
وهكذا رواه ابن ماجه، عن أبي بكر بن أبى شيبة، عن عفان، به.
وأخرجه أبو داود (¬١١٧)، عن موسى بن إسماعيل، عن حماد بن سلمة، عن سعيد بن إياس الجريري، عن أبي نعامة - واسمه قيس بن عباية الحنفي البصري -، وهو إسناد حسن لا بأس
Juz 6, hlm. 323 ›
Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.