التفسير المنير - الزحيلي
· وهبة الزحيلي
والأمر ليس من الإرادة في شيء. والمعتزلة تقول: الأمر نفس الإرادة. قال القرطبي: وليس بصحيح، بل يأمر بما لا يريد، وينهى عما يريد. ألا ترى أنه أمر إبراهيم بذبح ولده، ولم يرده منه، وأمر نبيه أن يصلّي مع أمّته خمسين صلاة، ولم يرد منه إلا خمس صلوات. وقد أراد شهادة حمزة حيث يقول:
﴿وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ﴾ [آل عمران ١٤٠/ ٣] ونهى الكفار عن قتله، ولم يأمرهم به (¬١).
٦ - الله تعالى متعاظم منزه عن الدنايا، باق دائم ثابت، كثير الخيرات والآثار الفاضلة والنتائج الشريفة، واسع الفضل والإحسان ﴿تَبارَكَ اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ﴾.
مشروعية الدعاء وآدابه وتحريم الإفساد في الأرض
﴿اُدْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٥٥) وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها وَاُدْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إِنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦)﴾
الإعراب:
﴿تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً﴾ إما منصوبان على المصدر، أو على الحال على معنى: ذوي تضرع وخفية.
﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ﴾ إنما قال: قريب بالتذكير لثلاثة أوجه: أنه ذكره حملا على المعنى، لأن الرحمة بمعنى الرّحم أو الترحم، وهو مذكر، أو لأن المراد بالرحمة: المطر، وهو مذكر، أو ذكّره على النّسب، أي: ذات قرب، كقولهم: امرأة طالق وطامث وحائض، أي ذات طلاق وطمث وحيض (ابن الأنباري: ٣٦٥/ ١). وأضاف الزمخشري: أو لأنه صفة موصوف محذوف، أي شيء قريب، أو على تشبيهه بفعيل الذي هو بمعنى مفعول، أو لأن تأنيث الرحمة غير حقيقي (الكشاف: ٥٥١/ ١) وذكر الرازي في تفسيره (١٣٦/ ١٤ - ١٣٧) أربعة وجوه من هذه.
وذكر القرطبي في تفسيره: ٢٢٧/ ٧ سبعة أوجه لقوله: ﴿قَرِيبٌ﴾ ولم يقل: قريبة، هي
Juz 8, hlm. 237 ›
أن الرّحمة والرّحم واحد، وهي بمعنى العفو والمغفرة، وقيل: أراد بالرحمة الإحسان، وقيل:
مالا يكون تأنيثه حقيقيا جاز تذكيره، وقيل: أراد بالرحمة هنا المطر، وقيل: على تذكير المكان أي مكانا قريبا، وقيل: ذكّر على النسب، كأنه قال: إن رحمة الله ذات قرب. وقيل: في غير النسب يجوز التذكير والتأنيث، يقال: دارك منا قريب، وفلانة منا قريب.
المفردات اللغوية:
﴿تَضَرُّعاً﴾ تذللا، وهو إظهار ذل النفس وخضوعها ﴿خُفْيَةً﴾ سرا، وهو ضد العلانية ﴿إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ في الدعاء بالتشدق ورفع الصوت، والمراد: عدم الثواب وعدم الرضا عن الداعي.
﴿وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ بالشرك والمعاصي ﴿بَعْدَ إِصْلاحِها﴾ ببعث الرسل ﴿خَوْفاً﴾ من عقابه، والخوف: توقع الشر والمكروه ﴿وَطَمَعاً﴾ في رحمته، وهو توقع الخير.
المناسبة:
بعد أن ذكر الله تعالى الأدلة على توحيد الربوبية من كمال القدرة والتدبير، والحكمة والتصرف، أتبعه بالأمر بتوحيد الألوهية بإفراده تعالى بالعبادة والاشتغال بالدعاء والتضرع، فإن الدعاء مخ العبادة.
التفسير والبيان:
أرشد الله تعالى عباده إلى دعائه الذي هو صلاحهم في دنياهم وأخراهم، فقال: ﴿اُدْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً﴾ أي ادعوا ربكم ومتولي أموركم والمنعم عليكم، متضرعين متذللين مستكينين، مع إسرار الدعاء وإخفائه، فالدعاء مخ العبادة. وفيه إيماء إلى ندب الدعاء خفية؛ لأنه أبعد عن الرياء، ولقوله تعالى:
﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً﴾ [الأعراف ٢٠٥/ ٧] وقوله بالثناء على زكريا: ﴿إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا﴾ [مريم ٣/ ١٩].
وفي الصحيحين عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: رفع الناس
Juz 8, hlm. 238 ›
أصواتهم بالدعاء، فقال رسول الله ﷺ: «أيها الناس، اربعوا (¬١) على أنفسكم، فإنكم لا تدعون وأصمّ ولا غائبا، إنكم تدعون سميعا قريبا، وهو معكم».
وروى أبو الشيخ ابن حيان الأنصاري في الثواب عن أنس ﵁:
«دعوة في السرّ تعدل سبعين دعوة في العلانية».
وروى أبو الشيخ ابن حبان في الثواب عن أنس ﵁: «دعوة في السرّ تعدل سبعين دعوة في العلانية».
وقال الحسن البصري ﵀: «ولقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء، وما يسمع لهم صوت، إن كان إلا همسا بينهم وبين ربهم، وذلك أن الله تعالى يقول: ﴿اُدْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً﴾.
وذكر بعض العلماء: أن الأولى الإسرار بالدعاء في حال اجتماع الناس في المساجد والمشاعر وغيرها إلا ما ورد فيه رفع الصوت من الجميع كالتلبية في الحج وتكبير العيدين.
﴿إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ في الدعاء ولا في غيره، بتجاوز الحدود المأمور بها، والتجاوز هنا في ترك هذين الأمرين المذكورين: وهما التضرع والإخفاء.
وعدم المحبة: أي أن الله لا يثيبه البتة، ولا يحسن إليه، فظهر أن قوله تعالى:
﴿إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ كالتهديد الشديد على ترك التضرع والإخفاء في الدعاء.
روى أحمد وأبو داود عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنه سيكون قوم يعتدون في الدعاء، وقرأ هذه الآية:
﴿اُدْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً﴾ الآية، وإن بحسبك أن تقول: اللهم إني أسألك
Juz 8, hlm. 239 ›
Pembahasan ayat ini masih 3 halaman lagi. Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.