التفسير المنير - الزحيلي
· وهبة الزحيلي
وذمّنا شين، هم قوم جهلة ذوو طباع جافة قاسية. وكانوا سبعين رجلا، وكان المنادي منهم الأقرع بن حابس، في رواية الترمذي عن البراء بن عازب، وكان النبي ﷺ نام للقائلة، جاؤوا شفعاء في أسارى بني عنبر، فأعتق رسول الله ﷺ نصفهم، وفادى على النصف، ولو صبروا لأعتق جميعهم بغير فداء.
وقال مقاتل: كانوا تسعة عشر: منهم قيس بن عاصم، والزّبرقان بن بدر، والأقرع بن حابس، وسويد بن هاشم، وخالد بن مالك، وعطاء بن حابس، والقعقاع بن معبد، ووكيع بن وكيع، وعيينة بن حصن، وهو الأحمق المطاع.
١٢ - لو انتظروا خروجه ﷺ، لكان أصلح لهم في دينهم ودنياهم، وكان ﷺ لا يحتجب عن الناس إلا في أوقات يشتغل فيها بمهمات نفسه، فكان إزعاجه في تلك الحالة من سوء الأدب.
١٣ - قوله: ﴿وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ حث على التوبة والإنابة إلى الله تعالى.
الآداب العامة
-١ -
وجوب التثبت من الأخبار
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ (٦) وَاِعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلكِنَّ اللهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيانَ أُولئِكَ هُمُ الرّاشِدُونَ (٧) فَضْلاً مِنَ اللهِ وَنِعْمَةً وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٨)﴾
Juz 26, hlm. 224 ›
الإعراب:
﴿فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ﴾ ﴿أَنْ تُصِيبُوا﴾: في تقديره وجهان: إما كراهية أن تصيبوا، أو لئلا تصيبوا. و ﴿بِجَهالَةٍ﴾: حال من فاعل تبينوا، أي جاهلين.
﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللهِ﴾ أن وما بعدها سادّ مسدّ مفعولي ﴿اِعْلَمُوا﴾.
﴿فَضْلاً مِنَ اللهِ﴾ إما مفعول لأجله، أو مصدر مؤكد لما قبله.
البلاغة:
﴿أُولئِكَ هُمُ الرّاشِدُونَ﴾ التفات عن الخطاب للغيبة بعد قوله: ﴿حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ﴾.
بين ﴿حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ وبين ﴿وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيانَ﴾ ما يسمى بالمقابلة.
المفردات اللغوية:
﴿فاسِقٌ﴾ خارج عن حدود الدين أو الشرع، مأخوذ من قولهم: فسق الرطب: إذا خرج من قشره، والفسوق: الخروج من الشيء والانسلاخ منه ﴿بِنَبَإٍ﴾ خبر ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ أي اطلبوا بيان الحقيقة ومعرفة الصدق من الكذب، وقرئ: «فتثبتوا» من الثبات ﴿أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً﴾ أي خشية ذلك أو كراهة إصابتكم ﴿فَتُصْبِحُوا﴾ تصيروا ﴿عَلى ما فَعَلْتُمْ﴾ من الخطأ بالقوم ﴿نادِمِينَ﴾ مغتمين غما لازما، متمنين أنه لم يقع.
﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللهِ﴾ أي فلا تقولوا الباطل، فإن الله يخبره بالحال ﴿لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ﴾ الذي تخبرون به على خلاف الواقع ﴿لَعَنِتُّمْ﴾ لوقعتم في العنت وهو الجهد والهلاك والإثم ﴿وَلكِنَّ اللهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ.﴾. استدراك ببيان عذرهم، وهو أنهم من فرط حبهم للإيمان وكراهتهم الكفر، حملهم على ذلك لما سمعوا قول الفاسق ﴿وَزَيَّنَهُ﴾ حسّنه ﴿الْكُفْرَ﴾ تغطية نعم الله تعالى بجحودها ﴿الْفُسُوقَ﴾ الخروج عن الحد ﴿الْعِصْيانَ﴾ المخالفة ﴿أُولئِكَ﴾ البعض المتبينون ﴿هُمُ الرّاشِدُونَ﴾ الثابتون على دينهم، وهذه جملة معترضة، والخطاب لرسول الله ﷺ، مأخوذ من الرشاد: وهو إصابة الحق واتباع طريق الاستقامة.
﴿فَضْلاً مِنَ اللهِ وَنِعْمَةً﴾ تعليل لقوله: ﴿حَبَّبَ﴾ ﴿وَكَرَّهَ﴾ فإن التحبيب والرشد فضل من الله وإنعام ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ﴾ بأحوال المؤمنين وما بينهم من التفاضل ﴿حَكِيمٌ﴾ في إنعامه عليهم بالتوفيق.
Juz 26, hlm. 225 ›
سبب النزول:
نزول الآية (٦):
﴿إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ﴾: ذكر كثير من المفسرين أن هذه الآية نزلت في الوليد بن عقبة.
أخرج ابن جرير وأحمد وابن أبي حاتم والطبراني وابن أبي الدنيا وابن مردويه بسند جيد عن ابن عباس: أن الآية نزلت في الوليد بن عقبة بن أبي معيط، بعثه رسول الله ﷺ إلى بني المصطلق مصدّقا (¬١)، وكان بينهما إحنة (¬٢)، فلما سمعوا به ركبوا إليه، فلما سمع بهم خافهم، فرجع فقال: إن القوم همّوا بقتلي، ومنعوا صدقاتهم، فهمّ النبي ﷺ بغزوهم، فبيناهم في ذلك إذ قدم وفدهم، وقالوا: يا رسول الله، سمعنا برسولك، فخرجنا نكرمه، ونؤدي إليه ما قبلنا من الصدقة، فاتهمهم النبي ﷺ وقال: «لتنتهنّ أو لأبعثنّ إليكم رجلا هو عندي كنفسي، يقاتل مقاتلتكم، ويسبي ذراريكم» ثم ضرب بيده على كتف علي ﵁، فقالوا: نعوذ بالله من غضبه وغضب رسوله ﷺ.
وقيل: بعث إليهم خالد بن الوليد، فوجدهم منادين بالصلاة، متهجدين، فسلموا إليه الصدقات، فرجع.
ولا خلاف في أن الشخص الذي جاء بالنبإ هو الوليد بن عقبة بن أبي معيط. والآية وإن وردت لسبب خاص فهي عامة لبيان التثبت، وترك الاعتماد على قول الفاسق، قال الحسن البصري: فو الله لئن كانت نزلت في هؤلاء القوم خاصة، إنها لمرسلة إلى يوم القيامة، ما نسخها شيء.
وأكد الرازي ذلك بأن إطلاق لفظ الفاسق على الوليد سيء بعيد، لأنه توهّم وظنّ فأخطأ، والمخطئ لا يسمى فاسقا، كيف والفاسق في أكثر المواضع: المراد به
Juz 26, hlm. 226 ›
Pembahasan ayat ini masih 7 halaman lagi. Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.