التفسير الوسيط - مجمع البحوث
· مجموعة من المؤلفين
ومعنى الآية: ولو أن هؤلاء الذين نادوك من وراء الحجرات وأنت مستريح - لو أنهم - انتظروك حتى تخرج إليهم، لكان انتظارهم وصبرهم خيرا لهم في دينهم ودنياهم، والله - تعالى - واسع المغفرة شامل الرحمة، فيقبل التوبة ممن تاب وآمن، ومن هذا الأدب نعلم أنه ينبغي أن لا ينادى الناس بعضهم بعضًا من وراء مساكنهم، وأن لا يستأذنوا في أوقات الراحة، وينبغى أن يكون الاستئذان بالقرع الخفيف على الباب، وقد قام مقامه الضغط على (زر الكهرباء) ليصلصل الجرس، فإذا فتح للطارق سلم على من فتح له. أي: قال له: السلام عليك، ولا يدخل البيت إلا بإذن ممن له حق الإذن، وفي هذا يقول الله - تعالى -: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٢٧) فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ) (¬١).
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (٦) وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ في كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ في قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (٧) فَضْلًا مِنَ اللهِ وَنِعْمَةً وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٨)
Juz 9, hlm. 1033 ›
المفردات:
(فَاسِقٌ): مرتكب للمعصية خارج عن الطاعة، من فَسَقت الرُّطبة: خرجت عن قشرها.
(بِنَبَإٍ): بخبر.
(فَتَبَيَّنُوا): فتثبتوا.
(أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ): لئلا تعتدوا على قوم بغير علم.
(لَعَنِتُّمْ): لأصابكم العنت وهو المشقة والإثم.
(أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ): أولئك هم المستقيمون على طريق الحق مع تصلب فيه، من الرشاد: وهي الصخرة.
التفسير
٦ - (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ):
الخبر الكاذب تكون آثاره بعيدة عن الصواب مجانبة للحق، ولذا ينبغي التدقيق في التعرف على راوى الخبر، هل هو ممن عرف بالصلاح والصدق فيقبل خبره، أم هو ممن عرف بالفسق والكذب فيتحرى عن خبره ويتثبت منه.
ولهذا أنزل الله هذه الآية الكريمة لتوعية المسلمين بالتدقيق في تلقى الأخبار، لما يترتب على قبولها من الفساق من سيء الآثار.
سبب نزول الآية:
روى سعيد عن قتادة أن النبي ﷺ بعث الوليد بن عُقْبَة مُصَّدِّقًا إلى بني المصطلق - أي: جابيًا للصدقة منهم وهي الزكاة - فلما أبصروه أقبلوا نحوه فهابهم لإحة كانت بينه وبينهم - كما جاء في بعض الروايات - فرجع إلى النبي ﷺ فأخبره بأنهم قد ارتدوا عن الإِسلام، فبعث نبى الله ﷺ خالد بن الوليد، وأمره أن يتثبت ولا يعجل، وانطلق خالد حتى أتاهم
Juz 9, hlm. 1034 ›
ليلًا، فبعث عيونه - أي: جواسيسه - فلما جاءُوا أخبروا خالدا أنهم متمسكون بالإِسلام، وسمعوا أذانهم وصلاتهم، فلما أصبحوا أَتاهم خالد ورأى صحة ما ذكروه، فعاد إلى النبي ﷺ فأخبره فنزلت الآية، فكان نبي الله يقول: "التأني من الله والعجلة من الشيطان".
وجاء في رواية أُخرى أن وفدهم قدم على النبي ﷺ فقالوا: يا رسول الله ﷺ سمعنا رسولك فخرجنا إليه لنكرمه ونؤدى إليه ما عندنا من الصدقة، فاستمر راجعًا، وبلغنا أنه يزعم لرسول الله ﷺ أنا خرجنا لنقاتله، والله ما خرجنا لذلك، فأنزل الله هذه الآية.
هل كان الوليد فاسقًا؟:
تقول الآية: (إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا) وهي تشير إلى أن الوليد كان فاسقًا، فكيف يبعثه النبي لجلب الصدقة من المسلمين؟
والجواب: أنه لم يكن يعلم بحاله، فلما أرسله وحدث منه ما حدث ظهر فسقه، فنزلت الآية: للتحذير من قبول من يحتمل أنه فاسق حتى يتبينوا.
المعنى للإجمالى للآية:
يا أيها الذين آمنوا بالله ورسوله: إن جاءكم من يحتمل فسقه بخبر خطير فتثبتوا من صدقه، لكي لا تصيبوا قومًا وتعتدوا عليهم وأنتم جاهلون للحقيقة، فتصبحوا نادمين على ما فعلتم من التسرع في الانتقام منهم، قبل التثبت من حال خبرهم، وذلك حين تظهر الحقيقة مخالفة للخبر بعد التورط في آثاره.
٧ - (وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ في كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ في قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ):
المعنى: واعلموا يا صحابة رسول الله أن فيكم رسول الله فاصْدقوه ولا تكذبوه، وعظموه ووقروه، وتأدبوا معه وانقادوا لأمره، فإن أعلم بمصالحكم وأشفق عليكم، ورأيه فيكم أتم من رأيكم لأنفسكم، فلو سارع إلى ما أردتم قبل وضوح الأمر، لنالتكم المشقة والإثم،
Juz 9, hlm. 1035 ›
Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.