تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه - الدرة
· محمد علي طه الدرة
«إن ابني هذا سيّد، ولعلّ الله تعالى يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين». أخرجه البخاري عن أبي بكرة-﵁، فكان كما قال ﷺ أصلح الله تعالى به بين أهل الشام، وأهل العراق، بعد الحروب الطويلة، والواقعات المهولة.
فائدة: خصّ الاثنين بالذكر بقوله: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ دون الجمع؛ لأنّ أقل من يقع منهم الشقاق اثنان، فإذا التزمت المصالحة بين الأقل؛ كانت بين الأكثر ألزم؛ لأنّ الفساد، والشر المترتبين على شقاق الجمع أكثر منهما في شقاق الاثنين.
الإعراب: ﴿إِنَّمَا:﴾ كافة ومكفوفة. ﴿الْمُؤْمِنُونَ:﴾ مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ.
﴿إِخْوَةٌ:﴾ خبره، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿فَأَصْلِحُوا:﴾ الفاء: حرف عطف على رأي من يجيز عطف الإنشاء على الخبر، وابن هشام يعتبرها للسببية المحضة، وأراها الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر، التقدير: وإذا كان ذلك حاصلا، وواقعا؛ فأصلحوا.
(أصلحوا بين): تقدّم مثلهما، والجملة الفعلية لا محلّ لها على جميع الوجوه المعتبرة في الفاء.
و ﴿بَيْنَ﴾ مضاف، و ﴿أَخَوَيْكُمْ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه مثنى، وحذفت النون للإضافة، والكاف في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿وَاتَّقُوا اللهَ:﴾ معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها. ﴿لَعَلَّكُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمها. ﴿تُرْحَمُونَ:﴾
مضارع مبني للمجهول مرفوع... إلخ، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية خبر: (لعلّ)، والجملة الاسمية تعليلية، لا محلّ لها.
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ عَسى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ (١١)﴾
الشرح: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا..﴾. إلخ: نزلت هذه الاية في ثابت بن قيس بن شماس، الذي ذكرته لك في أول هذه السورة، وذلك: أنه كان في أذنيه صمم، فكان إذا أتى رسول الله ﷺ، وقد سبقوه، أوسعوا له حتى يجلس إلى جنبه، فيسمع ما يقول، فأقبل ذات يوم، وقد فاتته ركعة من صلاة الفجر، فلما انتهى النبي ﷺ من الصلاة، أخذ أصحابه مجالسهم حوله؛ ليسمعوا منه، فلما فرغ ثابت-﵁-من الصلاة؛ أقبل نحو رسول الله ﷺ يتخطّى رقاب الناس، وهو يقول: تفسّحوا، تفسّحوا. فجعلوا يتفسّحون له حتى انتهى إلى النبي ﷺ، وبينه وبينه رجل، فقال له: تفسح، فقال له الرجل: أصبت مجلسا؛ فاجلس، فجلس ثابت خلفه مغضبا، ثم غمز ثابت الرجل، فقال: من هذا؟ فقال: أنا فلان، قال ثابت: ابن فلانة؟ وذكر أما له كان يعيّر بها في
Juz 9, hlm. 184 ›
الجاهلية، فنكس الرجل رأسه، واستحيا، فنزلت الاية الكريمة. هذا قول ابن عباس-﵄، ونزلت آية المجادلة رقم [١١].
وقال الضحاك-﵁: نزلت في وفد بني تميم الذين تقدم ذكرهم في أول السورة، استهزؤوا بفقراء الصحابة، مثل: عمار، وخباب، وبلال... إلخ لما رأوا من رثاثة حالهم، فنزلت في الذين آمنوا منهم. والمعنى: لا يستهزئ غني بفقير، ولا مستور عليه بذنب بمن لم يستر، ولا ذو حسب بلئيم، وأشباه ذلك مما ينتقصه به، ولعلّه عند الله خير منه، وهو فحوى قوله تعالى: ﴿عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ﴾. وخذ ما يلي:
عن حارثة بن وهب-﵁-قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ألا أخبركم بأهل الجنّة؟! كلّ ضعيف مستضعف لو يقسم على الله؛ لأبرّه، ألا أخبركم بأهل النّار؟! كلّ عتلّ جوّاظ مستكبر». رواه البخاري، ومسلم، وابن ماجه. وعن حذيفة-﵁-قال: كنا مع النبي ﷺ في جنازة، فقال: «ألا أخبركم بشرّ عباد الله؟! الفظّ المستكبر. ألا أخبركم بخير عباد الله؟! الضعيف المستضعف ذو الطّمرين، لا يؤبه له، لو أقسم على الله؛ لأبرّه». رواه أحمد، والأحاديث في ذلك كثيرة مستفيضة.
﴿وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ﴾ أي: لا يستهزئ نساء من نساء: روي: أن هذه الجملة نزلت في نساء النبي ﷺ عيّرن أم سلمة-﵂-بالقصر. وعن ابن عباس-﵄-أنها نزلت في صفية زوج النبي ﷺ، قال لها بعض نساء النبي ﷺ: يهودية بنت يهوديين. وعن أنس ﵁، بلغ صفية-﵂: أنّ حفصة بنت عمر-﵄-قالت:
بنت يهودي، فبكت، فدخل عليها النبي ﷺ، وهي تبكي، فقال: ما يبكيك؟ قالت: قالت لي حفصة: إني بنت يهوديّ، فقال النبي ﷺ: «وإنّك لابنة نبي، وعمّك لنبي، وإنك لتحت نبي، ففيم تفتخر عليك؟!». ثم قال: «اتّقي الله يا حفصة». أخرجه الترمذي وفي رواية أخرى: «هلاّ قلت: إن أبي هارون، وإن عمي موسى، وإن زوجي محمد» فأنزل الله هذه الاية. هذا؛ وقال القرطبي-رحمه الله تعالى-: أفرد الله النساء بالذكر؛ لأن السخرية منهن أكثر. وبالإضافة لما ذكرته من أحاديث، فخذ ما يلي: وهو يشمل الرجال، والنساء:
فعن أبي هريرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ الله لا ينظر إلى صوركم، وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم، وأعمالكم». أخرجه الإمام مسلم، وفحوى ما تقدم وجوب أن يعتقد كل واحد: أن المسخور منه ربما كان عند الله خيرا من الساخر؛ إذ لا إطلاع للناس إلا على الظواهر، ولا علم لهم بالسرائر، والذي يزن عند الله خلوص الضمائر، فينبغي أن لا يجترئ أحد على الاستهزاء بمن تقتحمه عينه إذا رآه رثّ الحال، أو ذا عاهة في بدنه، أو غير لبيق في محادثته، فلعلّه أخلص ضميرا، وأتقى قلبا ممن هو على ضد صفته، فيظلم نفسه بتحقير
Juz 9, hlm. 185 ›
من وقره الله تعالى. فعن ابن مسعود-﵁: البلاء موكّل بالقول، لو سخرت من كلب؛ لخشيت أن أحوّل كلبا. وخذ ما يلي:
فعن الحسن-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ المستهزئين بالناس يفتح لأحدهم في الاخرة باب من الجنة، فيقال له: هلمّ، فيجيء بكربه، وغمّه، فإذا جاءه أغلق دونه، ثم يفتح له باب آخر، فيقال له: هلمّ هلمّ، فيجيء بكربه، وغمّه، فإذا جاءه أغلق دونه، فما يزال كذلك؛ حتّى إنّ أحدهم ليفتح له الباب من أبواب الجنة، فيقال له: هلمّ، فما يأتيه من الإياس». رواه البيهقي مرسلا.
فائدة جليلة: لم يقل الله: لا يسخر رجل من رجل، ولا امرأة من امرأة إيذانا بإقدام غير واحد من رجالهم، وغير واحدة من نسائهم على السخرية، واستفظاعا للشأن الذي كانوا عليه، ولأن مشهد الساخر لا يكاد يخلو ممن يتلهى، ويستضحك على قوله، ولا يأتي ما عليه من النهي والإنكار الواجب على المسلم السامع، فيكون شريك الساخر في تحمل الوزر، وكذلك كل من يستطيبه، ويضحك منه، فيؤدي ذلك وإن أوجده واحد إلى تكثير السخرة، وانقلاب الواحد جماعة، وقوما.
﴿وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ أي: لا يعب بعضكم بعضا، ولا يطعن بعضكم في بعض، والمراد بالأنفس: الإخوان هنا، والمعنى: لا تعيبوا إخوانكم من المسلمين؛ لأنهم كأنفسكم، فإذا عاب عائب أحدا بعيب؛ فكأنه عاب نفسه، فهو كقوله تعالى في سورة (النساء) [٢٩]: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ أي: لا يقتل بعضكم بعضا؛ لأن المؤمنين كنفس واحدة، فكأنه بقتل أخيه قاتل نفسه.
وكقوله تعالى في سورة (النور) رقم [٦١]: ﴿فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ﴾. واللمز: العيب، والطعن. قال تعالى في سورة (التوبة) رقم [٥٨]: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقاتِ..﴾. إلخ وقال في رقم [٧٩] منها: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ..﴾. إلخ.
﴿وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ:﴾ فعن أبي جبيرة بن الضحاك الأنصاري، أخو ثابت بن الضحاك ﵄، قال: فينا نزلت هذه الاية في بني سلمة، قدم علينا رسول الله ﷺ، وليس من رجل، إلا وله اسمان، أو ثلاثة، فجعل رسول الله ﷺ، يقول: يا فلان! فيقولون: مه يا رسول الله، إنه يغضب من هذا الاسم، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ..﴾. إلخ. أخرجه أبو داود. وقال ابن عباس-﵄: التنابز بالألقاب أن يكون الرجل عمل السيئات، ثم تاب عنها، فنهي أن يعير بما سلف من عمله. وقيل: هو قول الرجل للرجل: يا فاسق! يا منافق! يا كافر! وقيل: هو أن تقول لأخيك: يا كلب! يا حمار! يا خنزير! ومعنى ﴿تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ:﴾ لقّب بعضهم بعضا، والنبز (بفتحتين) مختص بلقب السوء عرفا.
هذا؛ واللقب على نوعين: لقب ذم، ولقب مدح، فالأول ما أشعر بضعة، كالجاحظ، والأعرج، والأعمش، والأقرع... إلخ، وهذا الذي يحرم التنابز به إلا إذا عرف به، فيجوز
Juz 9, hlm. 186 ›
Pembahasan ayat ini masih 2 halaman lagi. Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.