يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴿١١﴾
زاد المسير في علم التفسير
· ابن الجوزي
فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما طلبت ما ليس لها ولم ترجع إَلى الصلح فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ أي تَرْجِع إِلى أَمْرِ اللَّهِ أي إِلى طاعته في الصلح الذي أمر به. قوله تعالى: وَأَقْسِطُوا أي: اعدلوا في الإِصلاح بينهما.
قوله تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ قال الزجاج: إِذا كانوا متفقين في دينهم رجَعوا باتفاقهم إِلى أصل النسب، لأنهم لآدم وحواءَ، فإذا اختلفت أديانهم افترقوا في النسب.
قوله تعالى: فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ قرأ الأكثرون: «بين أخويكم» بياء على التثنية. وقرأ أُبيُّ بن كعب، ومعاوية، وسعيد بن المسيب، وابن جبير، وقتادة، وأبو العالية، وابن يعمر، وابن أبي عبلة، ويعقوب: «بين إِخوتكم» بتاء مع كسر الهمزة على الجمع. وقرأ علي بن أبي طالب، وأبو رزين، وأبو عبد الرحمن السلمي، والحسن، والشعبي، وابن سيرين: «بين إخوانكم» بالنون وألف قبلها. قال قتادة:
ويعني بذلك الأوس والخزرج.
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ عَسى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (١١)
قوله تعالى: لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ هذه الآية نزلت على ثلاثة أسباب فأما أولها إلى قوله تعالى: خَيْراً مِنْهُمْ فنزلت على سبب، وفيه قولان:
(١٣٢١) أحدهما: أن ثابت بن قيس بن شمَّاس جاء يوماً يريد الدّنوّ من رسول الله ﷺ، وكان به صمم، فقال لرجل بين يديه: افسح، فقال له الرجل: قد أصبتَ مجلساً، فجلس مُغْضَباً، ثم قال للرجل: من أنت؟ قال: أنا فلان، فقال ثابت: أنت ابن فلانة!! فذكر أمّاً له كان يعيَّر بها في الجاهلية، فأغضى الرجل ونَكَسَ رأسَه، ونزل قوله تعالى: لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ، قاله أبو صالح عن ابن عباس.
(١٣٢٢) والثاني: أن وفد تميم استهزءوا بفقراء أصحاب رسول الله ﷺ لِما رأَوا من رثاثة حالهم، فنزلت هذه الآية، قاله الضحاك ومقاتل.
وأما قوله تعالى: وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ فنزلت على سبب، وفيه ثلاثة أقوال:
Juz 4, hlm. 148 ›
(١٣٢٣) أحدها: أنّ نساء رسول الله ﷺ عيَّرن أًمَّ سَلَمة بالقِصَر، فنزلت هذه الآية، قاله أنس بن مالك. وزعم مقاتل أن عائشة استهزأت من قِصَر أًمِّ سَلَمة.
(١٣٢٤) والثاني: أنّ امرأتين من أزواج رسول الله ﷺ سَخِرتا من أم سلمة زوجِ رسول الله ﷺ، وكانت أم سلمة قد خرجت ذات يوم وقد ربطت أحد طرفي جلبابها على حَقْوها، وأرخت الطرف الآخر خلفها، ولا تعلم، فقالت إِحداهما للأخرى: انظُري ما خَلْفَ أم سلمة كأنه لسان كلب، قاله أبو صالح عن ابن عباس.
(١٣٢٥) والثالث: أن صفيَّة بنت حُيَيّ بن أخطب أتت رسول الله ﷺ فقالت: إِن النساء يعيِّرنني ويقُلن: يا يهودية بنت يهوديّين، فقال رسول الله ﷺ: «هلاّ قُلْتِ: إِن أبي هارون، وإِن عمِّي موسى، وإن زوجي محمد» ، فنزلت هذه الآية، رواه عكرمة عن ابن عباس.
وأما قوله تعالى: وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ فنزلت على سبب، وفيه ثلاثة أقوال:
(١٣٢٦) أحدها: أن رسول الله ﷺ قَدِمَ المدينة ولهم ألقاب يُدْعَون بها، فجعل الرجل يدعو الرجل بلقَبه، فقيل له: يا رسول الله، إِنهم يكرهون هذا، فنزل قوله تعالى: وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ، قاله أبو جبيرة بن الضحاك.
(١٣٢٧) والثاني: أن أبا ذر كان بينه وبين رجل منازعة، فقال له الرجل: يا ابن اليهودية، فنزلت:
«ولا تَنابزوا بالألقاب» ، قاله الحسن.
Juz 4, hlm. 149 ›
(١٣٢٨) والثالث: أن كعب بن مالك الأنصاري كان بينه وبين عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي كلام، فقال له: يا أعرابي، فقال له عبد الله: يا يهودي، فنزلت فيهما: وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ، قاله مقاتل.
وأمّا التفسير، فقوله تعالى: لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ أي: لا يستهزئ غنيٌّ بفقير، ولا مستور عليه ذنْبُه بمن لم يُستَر عليه، ولا ذو حَسَب بلئيم الحَسَب، وأشباه ذلك ممّا يتنقَّصه به، عسى أن يكون عند الله خيراً منه. وقد بيَّنّا في البقرة «١» أن القوم اسم الرجال دون النساء، ولذلك قال: «ولا نساءٌ من نساء» و «تَلْمِزوا» بمعنى تَعيبوا، وقد سبق بيانه «٢» . والمراد بالأنفُس هاهنا: الإِخوان. والمعنى: لا تَعيبوا إِخوانكم من المسلمين لأنهم كأنفسكم. والتنابز: التفاعل من النَّبْز، وهو مصدر، والنَّبَز الاسم.
والألقاب جمع لقب، وهو اسم يُدعى به الإنسان سوى الاسم الذي سمِّي به. قال ابن قتيبة: «ولا تَنابزوا بالألقابَ» أي لا تتداعَوْا بها. والألقاب والأنباز واحد.
(١٣٢٩) ومنه الحديث: «نَبْزُهم الرافضة» أي: لقبُهم.
وللمفسرين في المراد بهذه الألقاب أربعة أقوال «٣» : أحدها: تعيير التائب بسيِّئات قد كان عملها، رواه عطية العوفي عن ابن عباس. والثاني: أنه تسميته بعد إسلامه بدينه قبل الإِسلام، كقوله لليهودي إِذا أسلم: يا يهودي، وهذا مروي عن ابن عباس أيضاً، وبه قال الحسن، وسعيد بن جبير، وعطاء الخراساني، والقرظي. والثالث: أنه قول الرجل للرجل: يا كافر، يا منافق، قاله عكرمة. والرابع: أنه تسميته بالأعمال السيئة، كقوله: يا زاني يا سارق، يا فاسق، قاله ابن زيد. قال أهل العلم: والمراد بهذه الألقاب: ما يكرهه المنادَى به، أو يُعَدُّ ذمَاً له. فأمّا الألقاب التي تكسب حمداً وتكون صدقاً، فلا تُكره، كما قيل لأبي بكر: عتيق، ولعمر: فاروق، ولعثمان: ذو النورين، ولعليّ: أبو تراب: ولخالد:
Juz 4, hlm. 150 ›
Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.