تفسير المراغي
· المراغي، أحمد بن مصطفى
(وَاتَّقُوا اللَّهَ) فى كل ما تأتون وما تذرون، ومن ذلك ما أمرتم به من إصلاح ذات البين.
(لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) أي رجاء أن يرحمكم ربكم ويصفح عن سالف إجرامكم إذا أنتم أطعتموه واتبعتم أمره ونهيه.
[سورة الحجرات (٤٩) : آية ١١]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ عَسى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (١١)
تفسير المفردات
السخرية: الاحتقار وذكر العيوب والنقائص على وجه يضحك منه، يقال سخر به وسخر منه، وضحك به ومنه، وهزىء به ومنه والاسم السخرية والسخرى (بالضم والكسر) وقد تكون بالمحاكاة بالقول أو بالفعل أو بالإشارة أو بالضحك على كلام المسخور منه إذا غلظ فيه، أو على صنعته، أو على قبح صورته.
والقوم: شاع إطلاقه على الرجال دون النساء كما في الآية وكما قال زهير:
وما أدرى وسوف إخال أدرى ... أقوم آل حصن أم نساء
ولا تلمزوا أنفسكم: أي لا يعب بعضكم بعضا بقول أو إشارة باليد أو العين أو نحوهما، والمؤمنون كنفس واحدة فمتى عاب المؤمن المؤمن فكأنما عاب نفسه، والتنابز: التعاير والتداعي بما يكرهه الشخص من الألقاب، والاسم: الذكر والصيت، من قولهم:
طار اسمه بين الناس بالكرم أو اللؤم.
Juz 26, hlm. 132 ›
المعنى الجملي
بعد أن ذكر ما ينبغى أن يكون عليه المؤمن مع الله تعالى ومع النبي ﷺ ومع من يخالفهما ويعصيهما وهو الفاسق، بيّن ما ينبغى أن يكون عليه المؤمن مع المؤمن، فذكر أنه لا ينبغى أن يسخر منه ولا أن يعيبه بالهمز واللمز، ولا أن يلقبه باللقب الذي يتأذى منه، فبئس العمل هذا، ومن لم يتب بعد ارتكابه فقد أساء إلى نفسه وارتكب جرما كبيرا.
روى أن الآية نزلت فى وفد تميم إذ كانوا يستهزئون بفقراء أصحاب النبي ﷺ كعمار وصهيب وبلال وخبّاب وابن فهيرة وسلمان الفارسي وسالم مولى أبى حذيفة فى آخرين غيرهم لما رأوا من رثاثة حالهم.
وروى أنها نزلت فى صفيّة بنت حيىّ بن أخطب رضى الله عنها: أتت رسول الله ﷺ فقالت: «إن النساء يقلن لى: يا يهودية بنت يهوديين، فقال لها:
هلّا قلت: أبى هارون، وعمى موسى، وزوجى محمد» .
الإيضاح
(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ) أي لا يهزأ ناس من المؤمنين بآخرين:
ثم ذكر العلة فى ذلك فقال:
(عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ) أي فقد يكون المسخور منهم خيرا عند الله من الساخرين كما
جاء فى الأثر «فربّ أشعث أغبر ذى طمرين لا يؤبه له، لو أقسم على الله تعالى لأبرّه» .
فينبغى ألا يجترىء أحد على الاستهزاء بمن تتقحمه عينه لرثاثة حاله، أو لكونه ذا عاهة فى بدنه، أو لكونه غير لبق فى محادثته، فلعله أخلص ضميرا وأنقى قلبا ممن هو على ضد صفته، فيظلم نفسه بتحقير من وقّره الله تعالى.
Juz 26, hlm. 133 ›
(وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ عَسى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ) أي ولا يسخر نساء من نساء عسى أن يكون المسخور منهن خيرا من الساخرات، وأتى بالجمع فى الموضعين، من قبل أن الأغلب فى السخرية أن تكون فى مجامع الناس، وكم من متلذذ بها، وكم من متألم منها.
روى الترمذي عن عائشة قالت: حكيت للنبى ﷺ رجلا فقال:
«ما يسرنى أنى حكيت رجلا وأن لى كذا وكذا، قالت فقلت يا رسول الله إن صفية امرأة وقالت «١» بيدها هكذا تعنى أنها قصيرة، فقال: لقد مزحت بكلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته» .
وروى مسلم عن أبى هريرة قال: قال رسول الله ﷺ «إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم»
وفى هذا إيماء إلى أن المرء لا يقطع بمدح أحد أو عيبه كما يرى عليه من صور أعمال الطاعة أو المخالفة، فلعل من يحافظ على الأعمال الظاهرة يعلم الله من قلبه وصفا مذموما لا تصح معه تلك الأعمال، ولعل من رأينا منه تفريطا أو معصية يعلم الله من قلبه وصفا محمودا يغفر له بسببه، فالأعمال أمارات ظنية، لا أدلة قطعية.
(وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ) أي ولا يعب بعضكم بعضا بقول أو إشارة على وجه الخفية.
وفى قوله: «أنفسكم» تنبيه إلى أن العاقل لا يعيب نفسه، فلا ينبغى أن يعيب غيره لأنه كنفسه، ومن ثم
قال النبي ﷺ: «المؤمنون كجسد واحد إن اشتكى عضو منه تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمّى»
وقال ﵊: «يبصر أحدكم القذاة «٢» فى عين أخيه ويدع الجذع فى عينه» .
Juz 26, hlm. 134 ›
Pembahasan ayat ini masih 1 halaman lagi. Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.