تفسير ابن جزي التسهيل لعلوم التنزيل - ط طيبة الخضراء
· ابن جزي الكلبي
(سورة الفتح)
نزلت هذه السورة حين انصرف رسول الله ﷺ من الحديبية، لما أراد أن يعتمر بمكة فصدّه المشركون، وقال ﷺ لعمر ﵁ وهما راجعان إلى المدينة: «لقد نزلت علي سورة هي أحبُّ إليَّ من الدنيا وما فيها» (¬١).
[﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٢) وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا (٣) هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (٤) لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا (٥) وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٦) وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (٧) إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٨) لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٩) إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١٠)﴾].
Juz 4, hlm. 146 ›
﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١)﴾ يَحتمل هذا الفتح في اللغة أن يكون: من الفتح بمعنى الحكم؛ أي: حَكَمنا لك على أعدائك.
أو من الفتح بمعنى العَطاء، كقوله: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ﴾ [فاطر: ٢]. أو من فتح البلاد.
واختُلف في المراد بهذا الفتح على أربعة أقوال:
الأول: أنه فتح مكة، وعدَه الله به قبل أن يكون، وذَكَره بلفظ الماضي؛ لتحقُّقه، وهو على هذا بمعنى فتح البلاد.
الثاني: أنه ما جرى في الحديبية من بيعة الرِّضوان، ومن الصلح الذي عقده رسول الله ﷺ مع قريش، وهو على هذا بمعنى: الحكم، أو بمعنى العطاء.
ويدل على صحة هذا القول: أنه لما وقع صلح الحديبية شقَّ ذلك على بعض المسلمين؛ لشروطٍ كانت فيه، حتى أنزل الله هذه السورة، وتبيَّن أن ذلك الصلح له عاقبةٌ محمودة، وهذا هو الأرجح؛ لأنه روي أنها لما نزلت قال بعض الناس: ما هذا الفتح وقد صدَّنا المشركون عن البيت؟ فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: «بل هو أعظم الفتوح، قد رضي المشركون أن يدفعوكم عن بلادهم بالرَّاح، ورغبوا إليكم في الأمان» (¬١).
الثالث: أنه ما أصاب المسلمون بعد الحديبية من الفتوح، كفتح خيبر وغيرها.
Juz 4, hlm. 147 ›
الرابع: أنه الهداية إلى الإسلام، ودليل هذا القول قوله: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ﴾ فجعل الفتح علةً للمغفرة، ولا حجة في ذلك؛ إذ يُتصوَّرُ في الجهاد وغيره أن يكون علةً للمغفرة أيضًا، أو تكون اللام للصيرورة والعاقبة، لا للتعليل؛ فيكون المعنى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١)﴾ فكان عاقبة أمرك أن جمع الله لك بين سعادة الدنيا والآخرة؛ بأن غفر لك، وأتمَّ نعمته عليك، وهداك ونصرك.
﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ﴾ أي: السكون والطُّمأنينة، يعني: سكونَهم في صلح الحديبية وتسليمهم لفعل رسول الله ﷺ.
وقيل: معناه الرحمة.
﴿الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ﴾ معناه: أنهم ظنوا أن الله يخذل المؤمنين، فقالوا: لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبدًا.
وقيل: معناه: أنهم لا يعرفون الله بصفاته، فذلك هو ظن السوء به.
والأول أظهر؛ بدليل ما بعده.
﴿عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾ يحتمل أن يكون: خبرًا، أو دعاءً.
﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا﴾ أي: تشهدُ على أمتك.
﴿وَتُعَزِّرُوهُ﴾ أي: تعظِّموه.
وقيل: تنصروه.
وقرئ: «تعززوه» بزاءين منقوطتين.
Juz 4, hlm. 148 ›
Pembahasan ayat ini masih 1 halaman lagi. Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.