تفسير ابن كثير - ط أولاد الشيخ
· ابن كثير
"إني لأعلم واللَّه إنكم لتعلمون أني رسول اللَّه"، فقالوا: ما نعلم ذلك، فأنزل اللَّه ﷿: ﴿لكن اللَّه يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه والملائكة يشهدون وكفى بالله شهيدًا﴾.
وقوله: ﴿إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل اللَّه قد ضلوا ضلالًا بعيدًا﴾ أي: كفروا في أنفسهم، فلم يتبعوا الحق وسعوا في صد الناس عن اتباعه والاقتداء به، قد خرجوا عن الحق وضلوا عنه وبعدوا منه بُعدًا عظيمًا شاسعًا.
ثم أخبر تعالى عن حكمه في الكافرين بآياته وكتابه ورسوله، الظالمين لأنفسهم بذلك وبالصد عن سبيله وارتكاب مآثمه [¬١] وانتهاك محارمه [¬٢] بأنه لا يغفر لهم: ﴿ولا ليهديهم طريقًا﴾ أي: سبيلًا إلى الخير، ﴿إلا طريق جهنم﴾ وهذا استثناء منقطع ﴿خالدين فيها أبدًا وكان ذلك على اللَّه يسيرًا﴾.
ثم قال تعالى: ﴿أيها الناس قد جاءكم الرسول بالحق من ربكم فآمنوا خيرًا لكم﴾ أي: قد جاءكم محمد، صلوات اللَّه وسلامه عليه، بالهدى ودين الحق والبيان الشافي من اللَّه ﷿ فآمنوا بما جاءكم به واتبعوه يكن خيرًا لكم.
ثم قال: ﴿وإن تكفروا فإن للَّه ما في السموات والأرض﴾ أي: فهو غني عنكم وعن إيمانكم، ولا يتضرر بكفرانكم؛ كما قال تعالى: ﴿وقال موسى إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعًا فإن اللَّه لغني حميد﴾، وقال هاهنا: ﴿وكان اللَّه عليمًا حكيمًا﴾ أي: بمن يستحق منكم الهداية فيهديه، وبمن يستحق الغواية فيغويه ﴿حكيمًا﴾ أى: في أقواله وأفعاله وشرعه وقدره.
﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (١٧١)﴾
ينهى تعالى أهل الكتاب عن الغلو والإطراء، وهذا كثير في النصارى، فإنهم تجاوزوا [حد
Juz 4, hlm. 385 ›
التصديق] [¬١] بعيسى حتى رفعوه فوق المنزلة التي أعطاه اللَّه إياها، فنقلوه من حيز النبوة إلى أن اتخذوه إلهًا من دون اللَّه يعبدونه، كما يعبدونه. بل قد غلوا في أتباعه وأشياعه ممن [¬٢] زعم أنه على دينه، فادعوا فيهم العصمة واتبعوهم فى كل ما قالوه، سواء كان حقا أو باطلًا، أو ضلالًا أو رشادًا، أو صحيحًا أو كذبًا، ولهذا قال اللَّه تعالى: ﴿اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون اللَّه والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلهًا واحدًا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون﴾.
وقال الإِمام أحمد (¬٩٧٤): حدثنا هشيم، قال: زعم الزهري، عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة بن مسعود، عن ابن عباس، عن عمر أن سول اللَّه، ﷺ، قال: "لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم، فإنما أنا عبد اللَّه ورسوله".
ثم رواه هو وعلى بن المديني عن سفيان بن عيينة عن الزهري كذلك. وقال على بن المديني: هذا حديث صحيح سنده، وهكذا رواه البخاري: عن الحميدي، عن سفيان بن عيينة، عن الزهري به، ولفظه: "فإنما أنا عبد، فقولوا: عبد اللَّه ورسوله".
وقال الإِمام أحمد (¬٩٧٥): حدثنا حسن بن موسى، حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت [¬٣]
Juz 4, hlm. 386 ›
البُناني، عن أنس بن مالك أن رجلًا قال: [يا محمد] [¬١]، يا سيدنا، وابن سيدنا وخيرنا وابن خيرنا، فقال رسول اللَّه، ﷺ: " [يا] [¬٢] أيها الناس؛ عليكم بقولكم [¬٣]، ولا يستهوينكم الشيطان، أنا محمد بن عبد اللَّه، عبد اللَّه ورسوله، والله ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني اللَّه ﷿". تفرد به من هذا الوجه.
وقوله تعالى: ﴿ولا تقولوا على اللَّه إلا الحق﴾ أي: لا تفتروا عليه وتجعلوا له صاحبة وولدًا، تعالى اللَّه، ﷿، عن ذلك علوًّا كبيرًا، وتنزه وتقدس، وتوحد في سؤدده وكبريائه وعظمته، فلا إله إلا هو ولا رب سواه؛ ولهذا قال: ﴿إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول اللَّه وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه﴾ أي: إنما هو عبد من عباد اللَّه، وخلق من خلقه، قال له: كن، فكان، ورسول من رسله ﴿وكلمته ألقاها إلى مريم﴾ أي: خلقه بالكلمة التي أرسل بها جبريل، ﵇، إلى مريم، فنفخ فيها من روحه بإذن ربه، ﷿، [فكان عيسى بإذن اللَّه، ﷿، وصارت] [¬٤] تلك النفخة التي نفخها في جيب درعها فنزلت حتى ولجت فرجها بمنزلة لقاح الأب والأم - والجميع مخلوق للَّه، ﷿، ولهذا قيل لعيسى: إنه كلمة اللَّه وروح منه؛ لأنه لم يكن له أب تولد منه، وإنما هو ناشئ عن الكلمة التي قال له بها: كن، فكان، والروح التي أرسل بها جبريل؛ قال اللَّه تعالى: ﴿ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام﴾ وقال تعالى: ﴿إن مثل عيسى عند اللَّه كمثل آدم خلقه من تراب لم قال له كن فيكون﴾ وقال تعالى: ﴿والتي أحصنت فرجها فنفخنا فيها من روحنا وجعلناها [¬٥] وابنها آية للعالمين﴾ وقال تعالى: ﴿ومريم ابنة عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا وصدقت بكلمات ربها وكتبه وكانت من القانتين﴾ [] [¬٦]، وقال تعالى إخبارًا عن المسيح ﴿إن هو إلا عبد أنعمنا عليه وجعلناه مثلًا لبني إسرائيل﴾.
Juz 4, hlm. 387 ›
Pembahasan ayat ini masih 2 halaman lagi. Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.