تفسير القرطبي = الجامع لأحكام القرآن
· القرطبي
وَقِيلَ: دَفْعًا وَزَجْرًا بِصَوْتٍ كَصَوْتِ الْمِزْمَارِ." حَتَّى إِذا جاؤُها فُتِحَتْ أَبْوابُها" جَوَابُ إِذَا، وَهِيَ سَبْعَةُ أَبْوَابٍ. وَقَدْ مَضَى فِي" الْحِجْرِ" «١»." وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها" وَاحِدُهُمْ خَازِنٌ نَحْوَ سَدَنَةٌ وَسَادِنٌ،" يَقُولُونَ لَهُمْ تَقْرِيعًا وَتَوْبِيخًا." أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ" يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آياتِ رَبِّكُمْ" أَيِ الْكُتُبُ الْمُنَزَّلَةُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ." وَيُنْذِرُونَكُمْ" أَيْ يُخَوِّفُونَكُمْ" لِقاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قالُوا بَلى " أَيْ قَدْ جَاءَتْنَا، وَهَذَا اعْتِرَافٌ مِنْهُمْ بِقِيَامِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ" وَلكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذابِ عَلَى الْكافِرِينَ" وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى:" لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ" [السجدة: ١٣]." قيل ادخلوا أبواب جهنم" أَيْ يُقَالُ لَهُمُ ادْخُلُوا جَهَنَّمَ. وَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ فِي أَبْوَابِهَا. قَالَ وَهْبٌ: تَسْتَقْبِلُهُمُ الزَّبَانِيَةُ بِمَقَامِعَ مِنْ نَارٍ فَيَدْفَعُونَهُمْ بِمَقَامِعِهِمْ، فَإِنَّهُ لَيَقَعُ فِي الدَّفْعَةِ الْوَاحِدَةِ إِلَى النَّارِ بِعَدَدِ رَبِيعَةَ ومضر." فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ" تقدم بيانه «٢».
[سورة الزمر (٣٩): الآيات ٧٣ الى ٧٥]
وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً حَتَّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ (٧٣) وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ (٧٤) وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٧٥)
قَوْلُهُ تَعَالَى:" وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً" يَعْنِي مِنَ الشُّهَدَاءِ وَالزُّهَّادِ وَالْعُلَمَاءِ وَالْقُرَّاءِ وَغَيْرِهِمْ، مِمَّنِ اتَّقَى اللَّهَ تَعَالَى وَعَمِلَ بِطَاعَتِهِ. وَقَالَ فِي حَقِّ الْفَرِيقَيْنِ" وَسِيقَ" بِلَفْظٍ وَاحِدٍ، فَسَوْقُ أَهْلِ النَّارِ طَرْدُهُمْ إِلَيْهَا بالخزي والهوان، كما يفعل بالأسارى والخارجين
Juz 15, hlm. 284 ›
عَلَى السُّلْطَانِ إِذَا سِيقُوا إِلَى حَبْسٍ أَوْ قَتْلٍ، وَسَوْقُ أَهْلِ الْجِنَانِ سَوْقُ مَرَاكِبِهِمْ إِلَى دَارِ الْكَرَامَةِ وَالرِّضْوَانِ، لِأَنَّهُ لَا يُذْهَبُ بِهِمْ إِلَّا رَاكِبِينَ كَمَا يُفْعَلُ بِمَنْ يُشَرَّفُ وَيُكَرَّمُ مِنَ الْوَافِدِينَ عَلَى بَعْضِ الْمُلُوكِ، فَشَتَّانَ مَا بين السوقين." حَتَّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها" قِيلَ: الْوَاوُ هُنَا لِلْعَطْفِ عَطْفٍ عَلَى جُمْلَةٍ وَالْجَوَابُ مَحْذُوفٌ. قَالَ الْمُبَرِّدُ: أَيْ سُعِدُوا وَفُتِحَتْ، وَحَذْفُ الْجَوَابِ بَلِيغٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ. وَأَنْشَدَ «١»:
فَلَوْ أَنَّهَا نَفْسٌ تَمُوتُ جَمِيعَةً ... - وَلَكِنَّهَا نَفْسٌ تَسَاقَطُ أَنْفُسَا
فَحَذَفَ جَوَابَ لَوْ وَالتَّقْدِيرُ لَكَانَ أَرْوَحَ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ:" حَتَّى إِذا جاؤُها" دَخَلُوهَا وَهُوَ قَرِيبٌ مِنَ الْأَوَّلِ. وَقِيلَ: الْوَاوُ زَائِدَةٌ. قَالَ الْكُوفِيُّونَ وَهُوَ خَطَأٌ عِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ زِيَادَةَ الْوَاوِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْأَبْوَابَ فُتِحَتْ لَهُمْ قَبْلَ أَنْ يَأْتُوا لِكَرَامَتِهِمْ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَالتَّقْدِيرُ حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَأَبْوَابُهَا مُفَتَّحَةٌ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ:" جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوابُ" [ص: ٥٠] وَحَذْفُ الْوَاوِ فِي قِصَّةِ أَهْلِ النَّارِ، لِأَنَّهُمْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ وَفُتِحَتْ بَعْدَ وُقُوفِهِمْ إِذْلَالًا وَتَرْوِيعًا لَهُمْ. ذَكَرَهُ الْمَهْدَوِيُّ وَحَكَى مَعْنَاهُ النَّحَّاسُ قَبْلَهُ. قَالَ النَّحَّاسُ: فَأَمَّا الْحِكْمَةُ فِي إِثْبَاتِ الْوَاوِ فِي الثَّانِي وَحَذْفِهَا مِنَ الْأَوَّلِ، فَقَدْ تَكَلَّمَ فِيهِ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِقَوْلٍ لَا أَعْلَمُ أَنَّهُ سَبَقَهُ إِلَيْهِ أَحَدٌ، وَهُوَ أَنَّهُ لَمَّا قَالَ اللَّهُ ﷿ فِي أَهْلِ النار:" حَتَّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها" دَلَّ بِهَذَا عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ مُغْلَقَةً وَلَمَّا قَالَ فِي أَهْلِ الْجَنَّةِ:" حَتَّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها" دَلَّ بِهَذَا عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ مُفَتَّحَةً قَبْلَ أَنْ يَجِيئُوهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقِيلَ: إِنَّهَا وَاوُ الثَّمَانِيَةِ. وَذَلِكَ مِنْ عَادَةِ قُرَيْشٍ أَنَّهُمْ يَعُدُّونَ مِنَ الْوَاحِدِ فَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سِتَّةٌ سَبْعَةٌ وَثَمَانِيَّةٌ، فَإِذَا بَلَغُوا السَّبْعَةَ قَالُوا وَثَمَانِيَّةٌ. قاله أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:" سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيَّامٍ" [الحاقة: ٧] وقال:" التَّائِبُونَ الْعابِدُونَ" [التوبة: ١١٢] ثُمَّ قَالَ فِي الثَّامِنِ:" وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ" [التوبة: ١١٢] وقال:" وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ" [الكهف: ٢٢] وقال" ثَيِّباتٍ وَأَبْكاراً" [التحريم: ٥] وَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِي هَذَا فِي" بَرَاءَةَ" «٢» مستوفى وفي" الكهف" «٣» أيضا.
Juz 15, hlm. 285 ›
قُلْتُ: وَقَدِ اسْتَدَلَّ بِهَذَا مَنْ قَالَ إِنَّ أَبْوَابَ الْجَنَّةِ ثَمَانِيَةٌ، وَذَكَرُوا حَدِيثَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:" مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يَتَوَضَّأُ فَيُبْلِغُ- أَوْ فَيُسْبِغُ الْوُضُوءَ «١» - ثُمَّ قَالَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةُ يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ" خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ. وَقَدْ خَرَّجَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثَ عُمَرَ هَذَا وَقَالَ فِيهِ:" فُتِحَ لَهُ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ ثَمَانِيَةُ أَبْوَابٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" بِزِيَادَةٍ مِنْ وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَبْوَابَ الْجَنَّةِ أَكْثَرُ مِنْ ثَمَانِيَةٍ. وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ فِي كِتَابِ التَّذْكِرَةِ وانتهى عددها إلى ثلاثة عشر بابا، وذكر نا هُنَاكَ عِظَمَ أَبْوَابِهَا وَسَعَتَهَا حَسَبَ مَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ مِنْ ذَلِكَ، فَمَنْ أَرَادَهُ وَقَفَ عَلَيْهِ هُنَاكَ." وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها" قِيلَ: الْوَاوُ مُلْغَاةٌ تَقْدِيرُهُ حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا" قالَ لَهُمْ خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ" أَيْ فِي الدُّنْيَا. قَالَ مُجَاهِدٌ: بِطَاعَةِ اللَّهِ. وَقِيلَ: بِالْعَمَلِ الصَّالِحِ. حَكَاهُ النَّقَّاشُ وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: إِذَا قَطَعُوا جِسْرَ جَهَنَّمَ حُبِسُوا عَلَى قَنْطَرَةٍ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، فَيُقَصُّ لِبَعْضِهِمْ مِنْ بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إِذَا هُذِّبُوا وَطُيِّبُوا قَالَ لَهُمْ رِضْوَانُ وَأَصْحَابُهُ:" سَلامٌ عَلَيْكُمْ" بِمَعْنَى التَّحِيَّةِ" طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ". قُلْتُ: خَرَّجَ الْبُخَارِيُّ حَدِيثَ الْقَنْطَرَةِ هَذَا فِي جَامِعِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:" يَخْلُصُ الْمُؤْمِنُونَ مِنَ النَّارِ فَيُحْبَسُونَ عَلَى قَنْطَرَةٍ بين الجنة والنار فيقص لبعضهم من بعض مَظَالِمَ كَانَتْ بَيْنَهُمْ فِي الدُّنْيَا حَتَّى إِذَا هُذِّبُوا وَنُقُّوا أُذِنَ لَهُمْ فِي دُخُولِ الْجَنَّةِ فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَأَحَدُهُمْ أَهْدَى بِمَنْزِلِهِ فِي الْجَنَّةِ مِنْهُ بِمَنْزِلِهِ كَانَ فِي الدُّنْيَا". وَحَكَى النَّقَّاشُ: إِنَّ عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ شَجَرَةً يَنْبُعُ مِنْ سَاقِهَا عَيْنَانِ يَشْرَبُ الْمُؤْمِنُونَ مِنْ إِحْدَاهُمَا فَتُطَهِّرُ أَجْوَافَهُمْ وَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى:" وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً" [الإنسان: ٢١] ثُمَّ يَغْتَسِلُونَ مِنَ الْأُخْرَى فَتَطِيبُ أَبْشَارُهُمْ فَعِنْدَهَا يَقُولُ لَهُمْ خَزَنَتُهَا:" سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ" وَهَذَا يُرْوَى مَعْنَاهُ عَنْ عَلِيٍّ ﵁." وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ" أي إذا دخلوا الجنة
Juz 15, hlm. 286 ›
Pembahasan ayat ini masih 2 halaman lagi. Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.