تفسير ابن كثير - ط أولاد الشيخ
· ابن كثير
﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إلا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٩٣) فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٩٤) قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٩٥)﴾
قال الإمام أحمد (¬١٨٨): حدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا عبد الحميد، حدثنا شهر قال: قال ابن عباس: حضرت عصابة من اليهود نبي الله ﷺ، فقالوا: حدثنا عن خلال نسألك عنهن، لا يعلمهن إلا نبي، قال: "سلوني عما شئتم، ولكن اجعلوا لي ذمة الله، وما أخذ يعقوب علي بنيه؛ لئن أنا حدثتكم شيئًا فعرفتموه، لتتابعني على الإسلام". قالوا: فذلك لك. [قال: فسلوني عما شئتم] [¬١]. قالوا: أخبرنا عن [¬٢] أربع خلال، أخبرنا أي الطعام حرم إسرائيل على نفسه؟ وكيف ماء المرأة وماء الرجل؟ وكيف [يكون الذكر منه والأنثى؟ وأخبرنا كيف] [¬٣] هذا النبي الأمي في النوم، ومن وليُّه من الملائكة؟ فأخذ عليهم العهد لئن أخبرهم ليتابعنه، فقال [¬٤]: "أنشدكم بالذي أنزل التوراة على موسى، هل تعلمون أن إسرائيل مرض مرضًا شديدًا، وطال سقمه، فنذر لله [¬٥] نذرًا، لئن شفاه الله من
Juz 3, hlm. 110 ›
سقمه، ليحرمنّ [أحب الطعام والشراب إليه] [¬١]، وكان أحب الطعام إليه لحم [¬٢] الإبل، وأحب الشراب إليه ألبانها". فقالوا: اللَّهم نعم، فقال [¬٣]: "اللَّهم اشهد عليهم". وقال: "أنشدكم بالله، الذي لا إله إلا هو، الذي أنزل التوراة على موسى، هل تعلمون أن ماء الرجل أبيض غليظ، وماء المرأة أصفر رقيق، فأيهما علا كان له الولد والشبه بإذن الله؛ إن علا ماء الرجل [¬٤] ماء المرأة كان ذكرًا بإذن الله، وإن علا ماء المرأة ماء الرجل كان أنثى بإذن الله". قالوا: نعم، قال: "اللهم اشهد عليهم". وقال: "أنشدكم بالذي أنزل التوراة على موسى، هل تعلمون أن هذا النبي الأمي تنام عيناه ولا ينام قلبه؟ ". قالوا: اللهم نعم. قال "اللَّهم اشهد". [قالوا: وأنت الآ محدثنا عن وليك من الملائكة؟ فعندها نجامعك أو نفارقك] [¬٥]. قال: "إن وليي جبريل، ولم يبعث الله نبيًّا قط إلا وهو وليه". قالوا: [فعند ذلك] [¬٦] نفارقك، لو كان وليك غيره لتابعناك، فعند ذلك قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾ الآية.
ورواه أحمد أيضًا عن حسين بن محمد، عن عبد الحميد به.
(طريق أخرى) قال أحمد (¬١٨٩): حدثنا أبو أحمد [] [¬٧] الزبيري، حدثنا عبد الله بن الوليد العجلي، عن بكير [¬٨] بن شهاب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: أقبلت يهود على رسول الله ﷺ، فقالوا: يا أبا القاسم، إنا [¬٩] نسألك عن خمسة أشياء، فإن أنبأتنا بهن عرفنا أنك نبي واتبعناك، فأخذ عليهم ما أخذ إسرائيل على بنيه، إذ قال: ﴿وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ قال: "هاتوا" قالوا: أخبرنا عن علامة النبي؟ قال: "تنام عيناه ولا ينام قلبه". قالوا: أخبرنا كيف تؤنث المرأة وكيف تذكر؟ قال: "يلتقي الماءان فإن [¬١٠] علا ماء الرجل ماء المرأة أَذْكَرَتْ، وإن [¬١١] علا ماء المرأة أنثت". قالوا: أخبرنا ما حرم إسرائيل على نفسه؟ قال: "كان يشتكي عرق النسا فلم يجد شيئًا يلائمه إلا ألبان كذا وكذا -قال أحمد: قال بعضهم: يعني الإبل- فحرم لحومها قالوا: صدقت، قالوا: أخبرنا ما هذا الرعد؟ قال: "ملك من ملائكة الله [﷿] موكل بالسحاب
Juz 3, hlm. 111 ›
بيده [¬١]-أو في يديه [¬٢]- مخراق من نار يزجر به السحاب، يسوقه حيث أمره الله ﷿". قالوا: فما هذا الصوت الذي يسمع؟ قال: "صوته". قالوا: صدقت، إنما بقيت واحدة، وهي التي نتابعك إن [أخبرتنا بها: إنه ليس من نبي] [¬٣] إلا له ملك يأتيه بالخبر، فأخبرنا من صاحبك؟ قال: "جبريل ﵇ "قالوا: جبريل ذاك ينزل بالحرب والقتال والعذاب عدونا، لو قلت: ميكائيل، أي [¬٤]: الذي ينزل بالرحمة والنبات والقطر لكان، فأنزل الله تعالى [¬٥]: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ [فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَينَ يَدَيهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ]﴾. [والآية بعدها] [¬٦].
وقد رواه الترمذي والنسائي من حديث عبد الله بن الوليد العجلي به نحوه، وقال الترمذي: حسن غريب.
وقال ابن جريج والعوفي (¬١٩٠) عن ابن عباس: كان إسرائيل ﵇ - وهو يعقوب يعتريه عرق النسا بالليل، وكان يقلقه ويزعجه عن النوم. ويقلع الوجع عنه بالنهار؛ فنذر لله لئن عافاه الله لا يأكل عرقًا، ولا يأكل [ولد ما] [¬٧] له عرق، وهكذا قال الضحاك والسدي، كذا رواه وحكاه ابن جرير في تفسيره، قال: فأتبعه [¬٨] بنوه في تحريم ذلك، استنانًا به، واقتداءً بطريقته. قال: وقوله ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ﴾ أي: حرّم ذلك على نفسه من قبل أن تنزل التوراة. قلت: ولهذ السياق بعد ما تقدم مناسبتان: (إحداهما) [¬٩] أن إسرائيل ﵇، حرم أحب الأشياء إليه [¬١٠] وتركها لله، وكان هذا سائغًا في شريعتهم فله مناسبة بعد قوله: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ فإذا هو المشروع عندنا، وهو الإِنفاق في طاعة الله مما يحبه العبد ويشتهيه، كما قال تعالى: ﴿وَآتَى الْمَال عَلَى حُبِّهِ﴾، وقال تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ﴾ الآية.
(المناسبة الثانية) لما تقدم بيان [¬١١] الرد على النصارى، واعتقادهم الباطل في المسيح، وتبين
Juz 3, hlm. 112 ›
Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.