التفسير المنير - الزحيلي
· وهبة الزحيلي
والانقياد لأوامره، كما قال تعالى: ﴿قُلْ: إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ، أَلا ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ﴾ [الزمر ١٥/ ٣٩]، و
قال ﷺ في الحديث الصحيح الذي رواه أحمد ومسلم عن عائشة: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو ردّ»
وقال أيضا فيما رواه أبو يعلى والطبراني والبيهقي عن الأسود بن سريع:
«كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه، أو يمجّسانه».
فقه الحياة أو الأحكام:
إن خلود شريعة الإسلام نابع من شيئين: أولهما-الإيمان الشامل المطلق بكل الأنبياء وبكتبهم ورسالاتهم، دون تفرقة بين أحد منهم، فالمؤمنون من هذه الأمة يؤمنون بكل نبي أرسل، وبكل كتاب أنزل، لا يكفرون بشيء من ذلك، بل هم يصدقون بما أنزل من عند الله، وبكل نبي بعثه الله.
وثانيهما-الإيمان بوجود الله ووحدانيته، والانقياد لطاعته، والتزام منهجه وشرعه، وهو شرع الأنبياء، ودين الرسل الذي ارتضاه لعباده، وجعله أساس الاحتكام إليه، وطريق النجاة به يوم المعاد، فمن سلك طريقا آخر سوى ما شرعه الله، فلن يقبل منه قطعا في الآخرة، وكان من الذين خسروا أنفسهم، وأضاعوا حياتهم في غير المفيد لهم.
أنواع الكفار من حيث التوبة
﴿كَيْفَ يَهْدِي اللهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ (٨٦) أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنّاسِ أَجْمَعِينَ (٨٧) خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (٨٨) إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٨٩) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ ثُمَّ اِزْدادُوا كُفْراً لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولئِكَ هُمُ الضّالُّونَ (٩٠) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَباً وَلَوِ اِفْتَدى بِهِ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٩١)﴾
Juz 3, hlm. 286 ›
الإعراب:
﴿أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللهِ﴾: ﴿أُولئِكَ﴾: مبتدأ، و ﴿جَزاؤُهُمْ﴾: مبتدأ ثان، و ﴿أَنَّ عَلَيْهِمْ﴾: خبر المبتدأ الثاني، والجملة منهما خبر المبتدأ الأول. ويجوز أن يكون ﴿جَزاؤُهُمْ﴾ بدلا من ﴿أُولئِكَ﴾ بدل اشتمال، و ﴿أَنَّ عَلَيْهِمْ﴾ خبر ﴿أُولئِكَ﴾. ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا﴾ استثناء متصل.
﴿خالِدِينَ فِيها﴾ حال من ضمير ﴿عَلَيْهِمْ﴾ و ﴿لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ﴾ حال أخرى، ويجوز أن يكون مستأنفا منقطعا عن الأول.
﴿وَهُمْ كُفّارٌ﴾ جملة اسمية في موضع نصب على الحال من ضمير ﴿ماتُوا﴾. ﴿ذَهَباً﴾ تمييز. ﴿وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ﴾ ﴿ما﴾: نافية، و ﴿مِنْ﴾: زائدة، و ﴿ناصِرِينَ﴾:
مبتدأ، و ﴿لَهُمْ﴾: خبره، والجملة الاسمية حال من ضمير ﴿لَهُمْ﴾ الأول. ودخلت الفاء في خبر إن ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ﴾ لشبه الذين بالشرط، وإيذانا بتسبب الكفر لعدم القبول.
البلاغة:
﴿أَلِيمٌ﴾ مؤلم، وهو صيغة فعيل للمبالغة.
المفردات اللغوية:
﴿كَيْفَ يَهْدِي﴾ أي لا يهدي. ﴿الْبَيِّناتُ﴾ الحجج الظاهرات على صدق النبي.
﴿الظّالِمِينَ﴾ أي الكافرين، والظلم: الانحراف عن سبيل الحق والعدل. ﴿لَعْنَةَ اللهِ﴾ اللعن:
الطرد والإبعاد من رحمة الله. ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ أي اللعنة أو النار المدلول بها عليها.
﴿يُنْظَرُونَ﴾ يمهلون ويؤخرون.
Juz 3, hlm. 287 ›
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بعيسى ﴿بَعْدَ إِيمانِهِمْ﴾ بموسى ﴿ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً﴾ بمحمد ﴿لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾ إذا غرغروا أو ماتوا كفارا. ﴿مِلْءُ الْأَرْضِ﴾ مقدار ما يملؤها. ﴿أَلِيمٌ﴾ مؤلم.
﴿ناصِرِينَ﴾ مانعين منه.
سبب النزول: نزول الآية (٨٦):
روى النسائي وابن حبان والحاكم عن ابن عباس قال: كان رجل من الأنصار أسلم، ثم ارتد، ثم ندم، فأرسل إلى قومه: أرسلوا إلى رسول الله: هل لي من توبة؟ فنزلت: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللهُ قَوْماً كَفَرُوا﴾ إلى قوله: ﴿فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فأرسل إليه قومه، فأسلم.
وأخرج مسدّد في مسنده وعبد الرزاق عن مجاهد قال: جاء الحارث بن سويد فأسلم مع النبي ﷺ، ثم كفر، فرجع إلى قومه، فأنزل الله فيه القرآن:
﴿كَيْفَ يَهْدِي اللهُ قَوْماً كَفَرُوا﴾ إلى قوله: ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فحملها إليه رجل من قومه، فقرأها عليها، فقال الحارث: «إنك والله ما علمت لصدوق، وإن رسول الله ﷺ لأصدق منك، وإن الله لأصدق الثلاثة» فرجع وأسلم وحسن إسلامه.
وقال الحسن البصري وقتادة: نزلت في اليهود؛ لأنهم كانوا يبشّرون بالنبي ﷺ، ويستفتحون على الذين كفروا، فلما بعث عاندوا وكفروا، فأنزل الله ﷿: ﴿أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللهِ، وَالْمَلائِكَةِ، وَالنّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ أخرجه عبد بن حميد وغيره (¬١).
أي أن هذه الآية نزلت في أهل الكتاب من اليهود والنصارى، رأوا نعت النبي ﷺ في كتابهم، وأقروا بذلك، وشهدوا أنه حق، ولذا كانوا يستفتحون به
Juz 3, hlm. 288 ›
Pembahasan ayat ini masih 4 halaman lagi. Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.