تفسير ابن جزي التسهيل لعلوم التنزيل - ط طيبة الخضراء
· ابن جزي الكلبي
(سورة النور)
[﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (١) الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢) الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (٣) وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥) وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٦) وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٧) وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (٨) وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٩) وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ (١٠)﴾]
﴿سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا﴾ السورة:
خبر ابتداء مضمر.
أو مبتدأ وخبره محذوف تقديره: فيما أُنزل عليكم سورة.
و ﴿أَنزَلْنَاهَا﴾ صفة للسورة.
﴿وَفَرَضْنَاهَا﴾ أي: فَرَضْنا الأحكام التي فيها.
Juz 3, hlm. 262 ›
وقرئ بالتشديد للمبالغة.
﴿آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ يعني: ما فيها من المواعظ والأحكام والأمثال.
وقيل: معنى ﴿بَيِّنَاتٍ﴾ هنا: ليس فيها مُشكل.
﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾: يراد بهما الجنس، وقدَّم الزانية؛ لأن الزنا كان حينئذ في النساء أكثر؛ فإنه كان منهنَّ إماء وبغايا يجاهرن (¬١) بذلك.
وإعراب ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ كإعراب: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]، وقد ذكر في «المائدة» (¬٢).
وهذه الآية ناسخةٌ بإجماع لما في سورة «النساء» من الإمساك في البيوت في الآية الواحدة، ومن الأذى في الأخرى (¬٣).
ثم إن لفظ هذه الآية عند مالك ليس على عمومه؛ فإنَّ جَلْد المئة إنما هو حدُّ الزانية والزاني إذا كانا مسلمينِ حُرَّينِ (¬٤) غيرَ محصنينِ.
فيخرج منها الكفار؛ فيُرَدُّون إلى أهل دينهم.
ويخرج منها العبد والأمة والمحصن والمحصنة.
فأما العبد والأمة: فحدُّهما خمسون جلدةً، سواءً كان محصنين أو غير محصنين.
Juz 3, hlm. 263 ›
وأما المحصنان الحرَّان فحدُّهما الرجم.
هذا على مذهب مالك.
وأما الكلام على الآية بالنظر إلى سائر المذاهب:
فاعلم أن لفظ هذه الآية ظاهرهُ العموم في المسلمين والكافرين، وفي الأحرار والعبيد والإماء، وفي المحصن وغير المحصن، ثم إن العلماء خصَّصوا من هذا العموم أشياء؛ منها باتفاق، ومنها باختلاف.
فأما الكفار:
فرأى أبو حنيفة وأهل الظاهر أن حدَّهم جلدُ مئة؛ أُحصِنوا أو لم يُحصَنوا؛ أخذًا بعموم الآية.
ورأى الشافعي أن حدَّهم كحدِّ المسلمين؛ الجلدُ إن لم يُحصَنوا، والرجم إن أُحصِنوا؛ أخذًا بالآية، وبرجم النبي ﷺ لليهودي واليهودية إذا زنيا. ورأى مالك أن يُردُّوا إلى أهل دينهم؛ لقوله في سورة «النساء»: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء: ١٥]، فخصَّ نساء المسلمين؛ على أنها قد نسختها هذه، ولكن بقيت في محلها.
وأما العبد والأمة:
فرأى أهل الظاهر أن حدَّ الأمة خمسون جلدةً؛ لقوله تعالى: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥]، وأن حدَّ العبد الجلدُ مئةٌ؛ لعموم الآية.
Juz 3, hlm. 264 ›
Pembahasan ayat ini masih 7 halaman lagi. Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.