التفسير المنير - الزحيلي
· وهبة الزحيلي
وحسابه على كل صغيرة وكبيرة، لهذا افتتحت السورة بما ينبه على العناية بها، والاهتمام بأحكامها وهي ما يأتي:
الحكم الأول والثاني
حد الزنى وحكم الزناة
﴿الزّانِيَةُ وَالزّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢) الزّانِي لا يَنْكِحُ إِلاّ زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إِلاّ زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (٣)﴾
الإعراب:
﴿الزّانِيَةُ.﴾. مبتدأ، خبره مقدم محذوف، أي فيما يتلى عليكم الزانية والزاني. أو خبره:
﴿فَاجْلِدُوا﴾ والفاء زائدة، فاء الفصيحة، أفصحت عن جواب سائل سمع حكم الزاني، فقال:
فكيف الحكم؟ وصلح هذا الفعل أن يكون خبرا للمبتدأ، وإن كان أمرا، بتقدير: أقول: فاجلدوا، أو يجعله محمولا على المعنى، كأنه يقول: الزانية والزاني كل واحد منهما مستحق للجلد. وأل في ﴿الزّانِيَةُ وَالزّانِي﴾ موصولة، ونظرا لشبه كل منهما بالشرط دخلت الفاء في الخبر.
البلاغة:
﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ تحريض وإغراء.
المفردات اللغوية:
﴿الزّانِيَةُ وَالزّانِي﴾ أي غير المحصنين، والزنى: مقصور في اللغة الفصحى، وهي لغة الحجازيين، وقد يمدّ في لغة أهل نجد، والزنى من الرجل: وط ء المرأة في قبل من غير ملك ولا شبهة ملك. والزنى من المرأة: تمكينها الرجل أن يزني بها. وإنما قدم الزانية؛ لأن الزنى في الأغلب
Juz 18, hlm. 123 ›
يكون بتعرض المرأة للرجل وعرض نفسها عليه بأساليب متنوعة، ولأن مفسدة الزنى وعاره يصيبها أكثر من الرجل، فهي المادة الأصلية في الزنى.
﴿فَاجْلِدُوا﴾ الجلد: ضرب الجلد، وهو حكم البكر غير المحصن، لما ثبت في السنة أن حدّ المحصن هو الرجم. والإحصان: بالحرية والبلوغ والعقل والدخول في نكاح صحيح، وبالإسلام عند الحنفية.
﴿رَأْفَةٌ﴾ شفقة وعطف. ﴿فِي دِينِ اللهِ﴾ في حكمه وطاعته. ﴿وَلْيَشْهَدْ﴾ يحضر ﴿عَذابَهُما﴾ الجلد. ﴿طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الطائفة: تطلق على الواحد فأكثر، والمراد هنا جمع يحصل به التشهير، وأقلها ثلاثة. وحضور الطائفة: زيادة في العقاب؛ لأن التشهير قد يؤثر أكثر مما يؤثر التعذيب.
﴿لا يَنْكِحُ﴾ يتزوج، أي أن الغالب المناسب لكل من الزانية والزاني نكاح أمثاله، فإن التشابه علة الألفة والتضام، والمخالفة سبب النفرة. وقدم الزاني هنا؛ لأن المراد بيان أحوال الرجال في الرغبة في الزواج بالنساء؛ لأن الرجل أصل فيه لأنه الراغب والطالب. ﴿وَحُرِّمَ ذلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي حرم نكاح الزواني على المؤمنين الأخيار؛ لأنه تشبه بالفساق، وتعرض للتهمة، وتسبب لسوء المقالة، والطعن في النسب، وغير ذلك من المفاسد، ولذلك عبر عن التنزيه بالتحريم مبالغة.
سبب النزول:
نزول الآية (٣):
﴿الزّانِي لا يَنْكِحُ إِلاّ زانِيَةً﴾:
أخرج النسائي عن عبد الله بن عمرو قال:
كانت امرأة يقال لها أم مهزول (أو أم مهدون) وكانت تسافح، فأراد رجل من أصحاب النبي ﷺ أن يتزوجها، فأنزل الله: ﴿وَالزّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إِلاّ زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ، وَحُرِّمَ ذلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾.
وأخرج أبو داود والترمذي والنسائي والحاكم من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: كان رجل يقال له مرثد، يحمل من الأنبار إلى مكة حتى يأتيهم، وكانت امرأة بمكة صديقة له يقال لها عناق، فاستأذن النبي ﷺ أن ينكحها، فلم يرد عليه شيئا حتى نزلت: ﴿الزّانِي لا يَنْكِحُ إِلاّ زانِيَةً أَوْ
Juz 18, hlm. 124 ›
مُشْرِكَةً﴾ الآية، فقال رسول الله ﷺ: يا مرثد: «الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة» الآية، فلا تنكحها.
وقال المفسرون: الآية إما أنها نزلت في مرثد بن أبي مرثد المذكور، وإما في جماعة من فقراء المهاجرين استأذنوا النبي ﷺ في التزوج ببغايا من الكتابيات والإماء اللائي كن بالمدينة، فأنزل الله فيهم هذه الآية.
وظاهر الآية تحريم العفيفة على الزاني، والزانية على العفيف.
التفسير والبيان:
﴿الزّانِيَةُ وَالزّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾: هذه الآية شروع في بيان الأحكام التي أشير إليها في الآية السابقة: ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْناها وَفَرَضْناها﴾، وهي تبين حد الزناة.
والمعنى أن عقوبة الزانية والزاني الحرين البالغين العاقلين البكرين غير المحصنين بالزواج هي الجلد لكل منهما مائة جلدة. والحكمة في البدء في حد الزنى بالمرأة وفي حد السرقة بالرجل؛ لأن دواعي الزنى تحدث غالبا من المرأة، وعاره عليها أشد، وأثره فيها أدوم، وأما السرقة فالغالب وقوعها من الرجال، وهم عليها أجرأ من النساء وأخطر، فقدموا عليهن.
وظاهر الآية أن حد الزناة مطلقا هو الجلد مائة، لكن ثبت في السنة القطعية المتواترة التفريق بين حد المحصن وغير المحصن، أما حد المحصن فهو الرجم بالحجارة حتى الموت، بالسنة القولية والفعلية؛
أخرج البخاري ومسلم عن ابن مسعود عن النبي ﷺ قال: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه، المفارق للجماعة».
وأخرج أصحاب الكتب الستة ما عدا ابن ماجه، ومالك في الموطإ وأحمد في مسنده عن أبي هريرة
Juz 18, hlm. 125 ›
Pembahasan ayat ini masih 14 halaman lagi. Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.