تفسير ابن كثير - ط أولاد الشيخ
· ابن كثير
تفسير سورة النور وهي مدينة
﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (١) الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢)﴾
يقول تعالى: هذه ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا﴾ فيه تنبيه إلى [¬١] الاعتناء بها، ولا ينفي ما عداها ﴿وَفَرَضْنَاهَا﴾ قال مجاهد وقتادة: أي: بينا الحلال والحرام، والأمر والنهي والحدود.
وقال البخاري: ومن قرأ ﴿وَفَرَضْنَاهَا﴾ يقول: فرضناها عليكم، وعلى من بعدكم، ﴿وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ أي: مفسرات واضحات ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾.
ثم قال تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [] [¬٢] هذه الآية الكريمة فيها حكم الزانى في الحد، وللعلماء فيه تفصيل ونزاع؛ فإن الزاني لا يخلو إما أن يكون بكرًا وهو الذي لم يتزوج، أو محصنًا وهو الذي قد وطئ في نكاح صحيح، وهو حر بالغ عاقل، فأمّا إذا كان بكرًا لم يتزوج، فإن حده [جلد مائة] [¬٣]، كما في الآية، ويزاد على ذلك أن يغرب عامًا [عن بلده] [¬٤] عند جمهور العلماء، خلافا لأبي حنيفة ﵀؛ فإن عنده: أن التغريب إلى رأي الإِمام، أن شاء غرّب، وإن شاء لم يغرب.
وحجة الجمهور في ذلك ما ثبت في الصحيحين (¬١) من رواية الزهري، عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة بن مسعود، عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني في الأعرابيين اللذين أتيا رسول اللَّه ﷺ فقال أحدهما: يا رسول اللَّه؛ أن ابني [] [¬٥] كان عسيفًا -يعني: أجيرًا- على هذا، فزنا بامرأته، فافتديت [] [¬٦] منه بمائة شاة ووليدة، فسألت أهل العلم؛ فأخبروني أن على ابني جلد مائة وتغريب عام، وأن على امرأة هذا الرجم؛ فقال
Juz 10, hlm. 159 ›
رسول اللَّه ﷺ: "والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب اللَّه تعالى، الوليدة والغنم رد عليك، وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام. واغد يا أنيس -لرجل من أسلم- إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها". فغدا عليها فاعترفت فرجمها.
وفي هذا دلالة على تغريب الزاني مع جلد مائة إذا كان بكرًا لم كزوج، فأما أن كان محصنًا [وهو الذي قد وطئ في نكاح صحيح وهو حر بالغ عاقل] [¬١] فإنه يرجم.
كما قال الإِمام مالك: حدثني محمد [¬٢] بن شهاب، عن [¬٣] عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة بن مسعود: أن ابن عباس أخبره: أن عمر ﵁.- قام: فحمد اللَّه، وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد، أيها الناس؛ فإن اللَّه تعالى بعث محمدًا ﷺ بالحق، وأنزل عليه الكتاب، فكان فيما أنزل عليه آية الرجم، فقرأناها ووعيناها، ورجم رسول اللَّه ﷺ ورجمنا بعده، فأخشى أن يطول بالناس زمان أن يقول قائل: لا نجد آية الرجم في كتاب اللَّه؛ فيضلوا بترك فريضة قد أنزلها اللَّه، فالرجم في كتاب اللَّه حق على [] [¬٤] من زنى إذا أحصن من الرجال و [] [¬٥] النساء، إذا قامت البينة أو الحبل أو الاعتراف.
أخرجاه في الصحيحين (¬٢) من حديث مالك مطولًا. وهذه [¬٦] قطعة منه فيها مقصودنا ها هنا.
وروى الإِمام أحمد (¬٣) عن هشيم، عن الزهري، عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه عن ابن عباس، حدثني عبد الرحمن بن عوف: أن عمر بن الخطاب خطب الناس فسمعته يقول: ألا وإن ناسًا يقولون: ما بال الرجمُ وفي كتاب اللَّه [] [¬٧] الجلد، وقد رجم رسول اللَّه ﷺ ورجمنا بعده، ولولا أن يقول [قائلون أو يتكلم متكلمون] [¬٨]: أن عمر زاد في كتاب اللَّه ما ليس منه [¬٩] لأثبتُّها كما نزلت [] [¬١٠].
Juz 10, hlm. 160 ›
وأخرجه النسائي من حديث عبيد اللَّه بن عبد اللَّه [] [¬١].
وقد روى الإِمام [¬٢] أحمد (¬٤) أيضًا عن هشيم، عن علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس قال: خطب عمر بن الخطاب ﵁ فذكر الرجم، فقال: [إنا لا نجد من الرجم بدًّا] [¬٣] لا تخد عن عنه، فإنه حد من حدود اللَّه تعالى، ألا وإن رسول اللَّه ﷺ قد رجم، ورجمنا بعده، ولولا أن يقول قائلون: [زاد عمر] [¬٤] في كتاب اللَّه ما ليس فيه؛ لكتبت في ناحية في [¬٥] المصحف: وشهد عمر بن الخطاب وعبد الرحمن بن عوف وفلان وفلان: أن رسول اللَّه صلن اللَّه عليه وسلم قد رجم ورجمنا بعده، ألا وإنه سيكون من بعدكم قوم يكذبون بالرجم وبالدجال وبالشفاعة، وبعذاب القبر، وبقوم يخرجون من النار بعدما امتحشوا.
وروى أحمد (¬٥) أيضًا عن يحيى القطان، عن يحيى الأنصاري، عن سعيد بن المسيب، عن عمر بن الخطاب: "إياكم أن تهلكوا عن آية الرجم … " الحديث
رواه الترمذي من حديث سعيد، عن عمر، وقال: صحيح.
وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حَدَّثَنَا عبيد اللَّه بن عمر الفواري، حَدَّثَنَا يزيد بن زريع، حَدَّثَنَا ابن عون، عن محمد هو ابن سيرين قال: نبئت عن كثير بن الصلت قال: كنا عند مروان، وفينا زيد، فقال زيد: كنا نقرأ: (الشيخ [¬٦] والشيخة [إذا زنيا] [¬٧] فارجموهما ألبتة)، قال مروان: ألا كتبتها في المصحف؟ قال: ذكرنا ذلك وفينا عمر بن الخطاب؛ فقال: أنا أشفيكم من ذلك، قال: قلنا: فكيف؟ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ؛ قال: فذكر كذا وكذا، وذكر الرجم، فقال: يا رسول اللَّه، اكتبني آية الرجم، قال: "لا أستطيع الآن" هذا أو نحو ذلك.
Juz 10, hlm. 161 ›
Pembahasan ayat ini masih 3 halaman lagi. Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.