تفسير ابن كثير - ط أولاد الشيخ
· ابن كثير
وقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى﴾، أي: هو الخالق لجميع المخلوقات، والعالم بمصالح عباده، وهو الذي يهدى من يشاء، ويضل من يشاء، وذلك كله عن قدرته وعلمه وحكمته، وهو العادل الذي لا يجور أبدًا، لا في شرعه ولا في قَدَره.
﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (٣١) الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إلا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى (٣٢)﴾
يخبر تعالى أنه مالك السماوات والأرض، وأنه الغني عما سواه، الحاكم في خلقه بالعدل، وخَلَق الخلق بالحق، ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾، أي: يجازي كلًّا بعمله، إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر، ثم فسر المحسنين بأنهم ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ﴾ أي: لا يتعاطون المحرمات والكبائر وإن وقع منهم بعض الصغائر فإنه يغفر لهم ويستر عليهم، كما قال في الآية الأخرى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾. وقال هاهنا: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إلا اللَّمَمَ﴾. وهذا استثناء منقطع؛ لأن اللمم من صغائر الذنوب ومحقرات الأعمال.
قال الإِمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن ابن طاوس، [عن أبيه، عن ابن عباس قال: ما رأيت شيئًا أشبَهَ باللمَم مما قال أبو هريرة عن النبي ﷺ] [¬١] قال: "إن الله تعالى كتب على ابن آدم حظه من الزنا، أدرك ذلك لا محالة، فزنا العين النظر، وزنا اللسان النطق، والنفس تَمَنَّى وتشتهي، والفرج يُصَدِّق ذلك أو يكذبه" (¬٦٠).
أخرجاه في الصحيحين من حديث عبد الرزاق به (¬٦١).
Juz 13, hlm. 272 ›
وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن ثور، حدثنا معمر، عن الأعمش، عن أبي الضحى: أن ابن مسعود قال: "زنا العينين النظر، وزنا الشفتين التقبيل، وزنا اليدين البطش، وزنا الرجلين المشي، ويصدِّق ذلك الفرجُ أو يكَذِّبه، فإن تقدم بفرجه كان زانيًا، وإلا فهو اللمم" (¬٦٢) وكذا قال مسروق والشعبي، وقال عبد الرحمن بن نافع - الذي يقال له [¬١]: ابن لبابة [¬٢] الطائفي - قال: سألت أبا هريرة عن قول الله: ﴿إلا اللَّمَمَ﴾؟ قال: القبلة، والغمزة، والنظرة، والمباشرة، فإذا مس الختان الختان فقد وجب الغسل، وهو الزنا.
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿إلا اللَّمَمَ﴾ إلا ما سلف. وكذا قال زيد بن أسلم.
وقال ابن جرير: حدثنا ابن المثنى [¬٣]، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن منصور، عن مجاهد أنه قال: في هذه الآية: ﴿إلا اللَّمَمَ﴾، قال: الذي يلم بالذنب ثم يدعُه، قال الشاعر:
إن تغفر اللهم تغفر جمّا … وأي عبد لك ما ألمّا (¬٦٣)
وقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد في قول الله: ﴿إلا اللَّمَمَ﴾، قال: الرجل يلمّ بالذنب ثم ينزع عنه. قال: وكان أهل الجاهلية يطوفون بالبيت وهم يقولون:
إن [تغفر اللَّهم تغفر] [¬٤] جمّا … وأي عبد لك ما ألمّا (¬٦٤)
وقد رواه ابن جرير وغيره مرفوعًا. قال ابن جرير: حدثني سليمان بن عبد الجبار، حدثنا أبو عاصم، حدثنا زكريا بن إسحاق، عن عمرو بن دينار، عن عطاء، عن ابن عباس: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إلا اللَّمَمَ﴾، قال: هو الرجل يلم بالفاحشة ثم يتوب.
وقال: قال رسول الله ﷺ:
Juz 13, hlm. 273 ›
إن تغفر اللهم تغفر جمّا … وأي عبد لك ما ألمّا (¬٦٥)
وهكذا رواه الترمذي، عن أحمد بن عثمان أبي عثمان البصري، عن أبي عاصم النبيل (¬٦٦). ثم قال: هذا حديث حسن صحيح غريب، لا نعرفه إلا من حديث زكريا بن إسحاق. وكذا قال البزار: لا نعلمه يُروى متصلًا إلا من هذا الوجه. وساقه ابن أبي حاتم والبغوي من حديث أبي عاصم النبيل. وإنما ذكره البغوي في تفسير [¬١] "سورة تنزيل"، وفي صحته مرفوعًا - نظر.
ثم قال ابن جرير: حدثنا محمد بن عبد الله بن بزيع، حدثنا يزيد بن زُرَيع، حدثنا يونس، عن الحسن، عن أبي هريرة - أراه رفعه -: [] [¬٢] ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إلا اللَّمَمَ﴾، قال: اللمَّةُ [¬٣] من الزنا ثم [¬٤] يتوب ولا يعود، واللمة من السرقة ثم يتوب ولا يعود، واللمة من شرب الخمر ثم يتوب ولا يعود، قال: ذلك الإلمام (¬٦٧).
وحدثنا ابن بشار، حدثنا ابن أبي عَديّ، عن عوف، عن الحسن في قول الله: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إلا اللَّمَمَ﴾، قال: اللمم من الزنا أو السرقة أو شرب الخمر، ثم لا يعود (¬٦٨).
وحدثني يعقوب، حدثنا ابن علية، عن أبي رجاء، عن الحسن في قول الله: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إلا اللَّمَمَ﴾، قال: كان أصحاب رسول الله ﷺ يقولون: هو الرجل يصيب اللمة من الزنا، واللمة من شرب الخمر، فيجتنبها ويتوب منها (¬٦٩).
وقال ابن جرير [¬٥]، عن عطاء، عن ابن عباس: ﴿إلا اللَّمَمَ﴾: يلم بها في الحين.
Juz 13, hlm. 274 ›
Pembahasan ayat ini masih 2 halaman lagi. Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.