تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه - الدرة
· محمد علي طه الدرة
﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اِتَّقى (٣٢)﴾
الشرح: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ:﴾ هذا نعت للمحسنين؛ أي: هم لا يرتكبون الإثم، وهو الشرك؛ لأنه أكبر الاثام. ﴿وَالْفَواحِشَ:﴾ الزنى، وقال مقاتل: ﴿كَبائِرَ الْإِثْمِ﴾ كل ذنب ختم بالنار،. ﴿وَالْفَواحِشَ﴾ كل ذنب فيه الحد، وجمع الإثم آثام. هذا؛ والإثم اسم من أسماء الخمرة، قاله الحسن وعطاء. قال الجوهري: وقد تسمى الخمر إثما، واستدل عليه بقول بعض الجاهليين: [الوافر] شربت الإثم حتّى ضلّ عقلي... كذاك الإثم يذهب بالعقول
وبه فسر في قوله تعالى في سورة (الأعراف) رقم [٣٣]: ﴿قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ فيكون في ذلك إلقام حجر في فم كل من يقول: لم تذكر مادة حرم في تحريم الخمر.
﴿إِلاَّ اللَّمَمَ﴾ أي: إلا ما قل، وصغر من الذنوب. وقيل: هي مقاربة المعصية، من قولك:
ألممت بكذا: إذا قاربته من غير مواقعة. ومعنى الاية: إلا أن يلم بالفاحشة مرة، ثم يتوب، أو يقع الوقعة، ثم ينتهي. وهو قول أبي هريرة، ومجاهد، والحسن. وهو رواية عن ابن عباس ﵃ أجمعين-. وقال أبو صالح: سئلت عن قول الله ﷿: ﴿إِلاَّ اللَّمَمَ﴾ فقلت:
هو الرجل يلم بالذنب، ثم لا يعاوده، فذكرت ذلك لابن عباس-﵄-فقال:
أعانك عليها ملك كريم. وعن ابن عباس أيضا: هو الرجل يلمّ بذنب، ثم يتوب. قال: ألم تسمع النبي ﷺ كان يقول؟: [الرجز] إن تغفر اللهمّ تغفر جمّا... وأيّ عبد لك لا ألمّا؟!
أخرجه الترمذي بهذا الإسناد، وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب، والبيت لأمية بن أبي الصلت، قاله عند احتضاره، وتمثل به النبي ﷺ تمثلا، وهذا هو الشاهد رقم [٤٤٦] من كتابنا: «فتح القريب المجيب». هذا؛ واللمم: صغار الذنوب، كالنظرة، والغمزة، والقبلة، ونحو ذلك مما هو دون الزنى. وهو قول ابن مسعود، وأبي هريرة، ومسروق، والشعبي.
والرواية الأخرى عن ابن عباس-﵃ أجمعين-فقد قال ابن عباس: ما رأيت شيئا أشبه باللمم مما قال أبو هريرة عن النبي ﷺ قال: «إنّ الله-﷿-كتب على ابن آدم حظّه من الزّنى أدرك ذلك لا محالة، فزنى العينين النظر، وزنى اللسان النطق، والنفس تتمنّى وتشتهي، والفرج يصدق ذلك، أو يكذبه». متفق عليه.
Juz 9, hlm. 333 ›
ولمسلم، قال: «كتب على ابن آدم نصيبه من الزّنى، مدرك ذلك لا محالة، العينان زناهما النظر، والأذنان زناهما الاستماع، واللسان زناه الكلام، واليد زناها البطش، والرّجل زناها الخطا، والقلب يهوى، ويتمنّى، ويصدق ذلك الفرج، أو يكذّبه». وقيل: اللمم على وجهين:
أحدهما: أنه كل ذنب لم يذكر الله تعالى عليه حدا في الدنيا، ولا عذابا في الاخرة، فذلك الذي تكفره الصلوات الخمس، وصوم رمضان، ما لم يبلغ الكبائر، والفواحش، قال تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ﴾ رقم [١١٤] من سورة (هود) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، وقال تعالى في سورة (النساء) الاية رقم [٣١]: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً﴾ انظر شرحهما في محالهما. والوجه الثاني: هو الذنب العظيم يلم به المسلم المرة بعد المرة، فيتوب منه إذا قام بشروط التوبة؛ التي ذكرتها لك مرارا، وسأعيدها في سورة (التحريم) إن شاء الله تعالى.
تنبيه: قال العلماء: أكبر الكبائر الشرك بالله، وهو ظاهر لا خفاء فيه لقوله تعالى في سورة (لقمان) رقم [١٣]: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾. ويليه القتل بغير حق، فأما ما سواهما من الزنى واللواط، وشرب الخمر، وشهادة الزور، وأكل مال اليتيم بغير حق، والسحر وقذف المحصنات الغافلات، وعقوق الوالدين، والفرار من الزحف، وأكل الربا، وغير ذلك من الكبائر التي ورد بها النص، فلها تفاصيل، وأحكام تعرف بها مراتبها، ويختلف أمرها باختلاف الأحوال، والمفاسد المترتبة عليها، فعلى هذا يقال في كل واحدة منها: هي من أكبر الكبائر بالنسبة إلى ما دونها، وقد جاء عن ابن عباس-﵄: أنه سئل عن الكبائر أسبع هي؟ قال: بل هي إلى السبعين أقرب، وفي رواية إلى سبعمئة أقرب.
وقد عرف ابن الصلاح الكبيرة في فتاويه: الكبيرة: كل ذنب كبر، وعظم بحيث يصح معه:
أنه أطلق عليه اسم الكبيرة، ويوصف بكونه عظيما على الإطلاق، فهذا حد الكبيرة، ولها أمارات، منها: الحد. ومنها: الإيعاد عليها بالعذاب بالنار، ونحوها في الكتاب، أو السنة.
ومنها: ما وصف فاعلها بالفسق، أو يضاف إليها اللعن كلعن الله من غيّر منار الأرض، ونحو ذلك، والله أعلم.
هذا؛ واللمم: طرف من الجنون، ورجل ملموم؛ أي: به لمم. ويقال أيضا: أصابت فلانا لمة من الجن، وهي المسّ، والشيء القليل، قال ابن مقبل: [الكامل] فإذا وذلك يا كبيشة لم يكن... إلاّ كلمّة حالم بخيال
هذا؛ واللمم: القليل من: ألمّ بالمكان: إذا قل فيه لبثه، قال الشاعر: [الطويل] أراك إذا أيسرت خيّمت عندنا... زمانا وإن أعسرت زرت لماما
فما أنت إلا البدر إن قلّ ضوءه... أغبّ وإن زاد الضياء أقاما
Juz 9, hlm. 334 ›
وقال جرير من قصيدة يمدح بها هشام بن عبد الملك: [الوافر] فريشي منكم وهواي معكم... وإن كانت زيارتكم لماما
﴿إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ:﴾ قال ابن عباس-﵄: لمن فعل ذلك لمن تاب، وأناب. وروي عن عمر بن الخطاب-﵁-قال: لا كبيرة في الإسلام؛ أي: لا كبيرة مع الاستغفار، ولا صغيرة مع الإصرار. والمعنى: أن الكبيرة تمحى بالاستغفار، والتوبة، والصغيرة تصير كبيرة بالإصرار عليها. وقيل في حد الإصرار: هو أن يتكرر منه الصغيرة تكرارا يشعر بقلة مبالاته بذنبه. وخذ ما يلي.
عن عبد الله بن مسعود-﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «إيّاكم ومحقّرات الذّنوب، فإنّهنّ يجتمعن على الرجل حتى يهلكنه، وإنّ رسول الله ﷺ ضرب لهنّ مثلا، كمثل قوم نزلوا أرض فلاة، فحضر صنيع القوم، فجعل الرجل ينطلق، فيجيء بالعود، والرجل يجيء بالعود؛ حتى جمعوا سوادا، وأجّجوا نارا، وأنضجوا ما قذفوا فيها». رواه الإمام أحمد، والطبراني، والبيهقي. وفي رواية: «إنّ الشيطان قد يئس أن تعبد الأصنام في أرض العرب، ولكنّه سيرضى منكم بدون ذلك بالمحقّرات، وهي الموبقات يوم القيامة». وعن عائشة-﵂: أن رسول الله ﷺ قال: «يا عائشة! إياك ومحقّرات الذنوب، فإن لها من الله طالبا».
رواه النسائي، وابن ماجه، وانظر آخر سورة (الزلزلة).
﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ﴾ أي: أعلم بأحوالكم منكم. ﴿إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ أي: حين أنشأ أباكم آدم من الأرض، واستخرج ذريته من صلبه أمثال الذر، ثم قسمهم فريقين: فريق في الجنة، وفريق في السعير. ﴿وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ﴾ أي: وقت كنتم في بطون أمهاتكم؛ حيث كتب الملك الموكل بكل واحد منكم رزقه، وأجله، وعمله، وشقي، أو سعيد. هذا؛ و ﴿أَجِنَّةٌ﴾ جمع: جنين، وهو الولد ما دام في بطن أمه، سمي جنينا؛ لاجتنانه، واستتاره، قال عمرو بن كلثوم التغلبي من معلقته رقم [١٧]: [الوافر] ذراعي حرّة أدماء بكر... هجان اللّون لم تقرأ جنينا
﴿فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ:﴾ فلا تثنوا عليها بصلاح العمل، وزيادة الخير، فإنه أبعد من الرياء، وأقرب إلى الخشوع. وقال الحسن: علم الله من كل نفس ما هي صانعة، وإلى ما هي صائرة، ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ:﴾ فلا تبرئوها من الاثام، ولا تمدحوها بحسن الأعمال، وقد ذم الله اليهود الذين كانوا يزكون أنفسهم، ورد عليهم بقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً﴾ الاية رقم [٤٩] من سورة (النساء)، فقد نزلت الاية الكريمة في ناس كانوا يعملون أعمالا حسنة، ثم يقولون: صلاتنا، وصيامنا، وحجنا. وهذا النهي إذا كان على سبيل
Juz 9, hlm. 335 ›
Pembahasan ayat ini masih 1 halaman lagi. Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.