تفسير ابن جزي التسهيل لعلوم التنزيل - ط طيبة الخضراء
· ابن جزي الكلبي
(سورة القتال)
[﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ (١) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ (٢) ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ (٣) فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ (٤) سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ (٥) وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ (٦) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (٧) وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ (٨) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (٩) أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا (١٠) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ (١١) إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ (١٢)﴾].
﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يعني: كفار قريش، وعموم اللفظ يصلح لكل كافر.
كما أن قوله بعد هذا: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ يعني به: الصحابة، وعموم اللفظ يصلح لكل مؤمن.
﴿وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ يحتمل أن يكون ﴿وَصَدُّوا﴾:
بمعنى: أعرضوا، فيكون غير متعدٍّ.
Juz 4, hlm. 129 ›
أو يكون بمعنى: صدوا الناس، فيكون متعديًا.
و ﴿سَبِيلِ اللَّهِ﴾: الإسلام والطاعة.
﴿أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ أي: أبطلها وأحبطها.
وقيل: المراد بـ ﴿أَعْمَالَهُمْ﴾ هنا: ما أنفقوا في غزوة بدر؛ فإن هذه السورة نزلت بعد بدر.
واللفظ أعم من ذلك.
﴿وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ﴾ هذا تجريد؛ للاختصاص والاعتناء، بعد عموم قوله: ﴿آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، ولذلك أكَّده بالجملة الاعتراضية، وهي قوله: ﴿وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾.
﴿وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ﴾ قيل: معناه: أصلح حالهم وشأنهم.
وحقيقة البال: الخاطر الذي في القلب، وإذا صلَح القلب صلَح الجسد كلُّه، فالمعنى: إصلاح دينهم بالإيمان والإخلاص والتقوى.
﴿فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ أصله: «فاضربوا الرقاب ضربًا»، ثم حَذف الفعل وأقام المصدر مقامه.
والمراد: اقتلوهم، ولكن عبَّر عنه بضرب الرقاب؛ لأنه الغالب في صفة القتل.
﴿حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ﴾ أي: هزمتموهم، والإثخان: أن يكثر فيهم القتل والأسر.
﴿فَشُدُّوا الْوَثَاقَ﴾ عبارةٌ عن الأسر.
Juz 4, hlm. 130 ›
﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ المَنُّ: العتق، والفداء: فكُّ الأسير بمال، وهما جائزان.
فإن مذهب مالك: أن الإمام مخيَّر في الأسارى بين خمسة أشياء؛ وهي: المن، والفداء، والقتل، والاسترقاق، وضرب الجزية.
وقيل: لا يجوز المَنُّ ولا الفداء؛ لأن الآية منسوخة بقوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]، فلا يجوز على هذا إلَّا قتلهم.
والصحيح أنها محكمة.
وانتصب ﴿مَنًّا﴾ و ﴿فِدَاءً﴾ على المصدرية، والعامل فيهما: فعلان مضمران.
﴿حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ الأوزار في اللغة: الأثقال، فالمعنى: حتى تذهب وتزول أثقالها، وهي آلاتها.
وقيل: الأوزار: الآثام؛ لأن الحرب لا بدَّ أن يكون فيها آثام في أحد الجانبين.
واختلف في الغاية المرادة هنا:
فقيل: حتى يُسلم الجميع؛ وحينئذ تضع الحرب أوزارها.
وقيل: حتى تقتلوهم وتغلبوهم.
وقيل: حتى ينزل عيسى بن مريم.
قال ابن عطية: ظاهر اللفظ أنها استعارة يراد بها التزام الأمر أبدًا، كما
Juz 4, hlm. 131 ›
Pembahasan ayat ini masih 2 halaman lagi. Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.