﴿ذلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اِتَّبَعُوا الْباطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اِتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللهُ لِلنّاسِ أَمْثالَهُمْ (٣)﴾
الشرح: ﴿ذلِكَ:﴾ إشارة إلى ما ذكر من الإضلال بالنسبة للكافرين، وتكفير السيئات، وإصلاح العمل بالنسبة للمؤمنين. ﴿بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا..﴾. إلخ: أي بسبب اتباع هؤلاء الباطل، واتباع هؤلاء الحق، وهو تصريح بما أشعر به ما قبلها، ولذلك تسمى هذه الاية تفسيرا.
﴿كَذلِكَ﴾ أي: مثل ذلك الضرب ﴿يَضْرِبُ اللهُ لِلنّاسِ أَمْثالَهُمْ:﴾ يبيّن لهم أحوال الفريقين، أو أحوال الناس، أو يضرب أمثالهم بأن جعل اتباع الباطل مثلا لعمل الكفار، والإضلال مثلا لخيبتهم، واتباع الحق مثلا للمؤمنين، وتكفير السيئات مثلا لفوزهم.
هذا؛ والكفر: ستر الحق بالجحود، والإنكار، وكفر فلان النعمة، يكفرها كفرا، وكفورا، وكفرانا: إذا جحدها، وسترها وأخفاها، قال تعالى في سورة (إبراهيم) على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ﴾ رقم [٧]. وكفر الشيء: ستره، وغطّاه، وسمي الكافر: كافرا؛ لأنه يغطي نعم الله بجحدها، وعبادته غيره. وسمي الزارع كافرا؛ لأنه يلقي البذر في الأرض، ويغطيه، ويستره بالتراب، قال تعالى في تشبيه حال الدنيا: ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفّارَ نَباتُهُ﴾ رقم [٢٠] من سورة (الحديد). وسمّي الليل: كافرا؛ لأنه يغطي، ويستر كل شيء بظلمته، قال لبيد بن ربيعة الصحابي-﵁ في معلقته رقم [٦٥]. [الكامل] حتّى إذا ألقت يدا في كافر... وأجنّ عورات الثّغور ظلامها
هذا؛ وأطلق لفظ الكافر على النهر، قال المتلمس حين ألقى الصحيفة في النهر: [الطويل] وألقيتها بالثّني من جنب كافر... كذلك ألقي كلّ رأي مضلّل
رضيت لها بالماء لمّا رأيتها... يجول بها التيّار في كلّ جدول
﴿الْباطِلَ:﴾ ضد الحق، والباطل: الفاسد، والمراد به هنا: الشرك. وقيل: الشيطان. وجاء بمعنى العبث في سورة (ص) رقم [٢٧]، وذلك بقوله تعالى: ﴿وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلاً﴾ والبطلان: عبارة عن عدم الشيء، إما بعدم ذاته، وإما بعدم فائدته، ونفعه. هذا؛ وبطل من باب: دخل، والبطل بفتحتين: الشجاع، والبطل بضم فسكون: الباطل، والكذب، والبطالة:
التعطل، والتفرغ من العمل، ويجمع باطل على: أباطيل شذوذا، كما شذّ: أحاديث، وأعاريض، وأفاظيع في جمع: حديث، وعريض، وفظيع. هذا؛ ومبطل: اسم فاعل من: أبطل الرباعي. وانظر شرح ﴿الْحَقَّ﴾ في الاية رقم [٢٢] من سورة (الجاثية).
Juz 9, hlm. 68 ›
هذا؛ والإيمان الصحيح هو: الإقرار باللسان، والتصديق بالجنان، والعمل بالأركان. ولما سئل رسول الله ﷺ عن الإيمان، قال: «الإيمان أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الاخر، والقدر، خيره، وشرّه من الله تعالى». والإيمان يزيد، وينقص على المعتمد، كما رأيت في الاية رقم [٢] من سورة (الأنفال)، وله شعب كثيرة، وهي سبع وسبعون شعبة، أعلاها: لا إله إلاّ الله... إلخ، وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق، وهو بفتح الهمزة جمع: يمين بمعنى الحلف بالله، أو بصفة من صفاته، أو اسم من أسمائه. قال تعالى: ﴿وَلا تَجْعَلُوا اللهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ﴾ واليمين أيضا اليد اليمنى، وتجمع أيضا على: أيمان، كما في قوله تعالى: ﴿أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ﴾ وهو كثير في القرآن الكريم، ولا يجمع بالمعنى الأول؛ لأنه مصدر.
هذا؛ و ﴿أَمْثَلُهُمْ﴾ في هذه الاية جمع: مثل بفتحتين، والمثل: عبارة عن قول في شيء يشبه قولا في شيء آخر بينهما مشابهة ليتبيّن أحدهما من الاخر، ويصوره. وقيل: هو تشبيه شيء بشيء آخر، وبالجملة: هو القول السائر بين الناس، والذي فيه غرابة من بعض الوجوه، والممثل بمضربه؛ أي: هو الحالة الأصلية، التي ورد الكلام فيها. وما أكثر الأمثال في اللغة العربية! علما بأن الأمثال لا تغير، تذكيرا، وتأنيثا، إفرادا، وتثنية، وجمعا، بل ينظر فيها دائما إلى مورد المثل؛ أي: أصله، مثل: (الصّيف ضيّعت اللّبن) فإنه يضرب لكل من فرط في تحصيل شيء في أوانه، ثم طلبه بعد فواته. وانظر (مثل) بكسر الميم وسكون الثاء في الاية رقم [١٠] الاتية.
الإعراب: ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿بِأَنَّ:﴾ الباء: حرف جر. (أنّ): حرف مشبه بالفعل.
﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب اسم (أنّ). وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها، وجملة: ﴿اِتَّبَعُوا الْباطِلَ﴾ في محل رفع خبر (أنّ)، و (أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة لا محلّ لها. ﴿وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ﴾ معطوف على ما قبله، وهو مثله في الإعراب، والتأويل. ﴿مِنْ رَبِّهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من: ﴿الْحَقَّ،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿كَذلِكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف عامله ما بعده، التقدير: يضرب الله للناس أمثالهم ضربا كائنا مثل الضرب الذي يضربه الله لقريش، وأمثالهم من الكفار. ﴿يَضْرِبُ:﴾ فعل مضارع. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿لِلنّاسِ:﴾
متعلقان به، ﴿أَمْثَلُهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محلّ لها.
Juz 9, hlm. 69 ›
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.