تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه - الدرة
· محمد علي طه الدرة
والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿بِما:﴾ جار، ومجرور متعلّقان بالفعل قبلهما، و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة. ﴿نَزَّلْنا:﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية صلة: (ما) أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: بالّذي، أو: بشيء نزّلناه، وجملة: ﴿آمِنُوا..﴾. إلخ لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية كالجملة الندائية قبلها. ﴿مُصَدِّقاً:﴾ حال من المفعول المحذوف. ﴿لِما:﴾ جار، ومجرور متعلقان ب ﴿مُصَدِّقاً،﴾ و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة. ﴿مَعَكُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة (ما) أو بمحذوف صفتها، التقدير: مصدقا للذي، أو: لشيء يوجد معكم، والكاف في محل جرّ بالإضافة. هذا؛ وابن هشام في مغني اللبيب يعتبر اللام زائدة، ويسمّيها لام التقوية، فإذا (ما) مجرورة لفظا، منصوبة محلاّ، ومثل هذه الآية قوله تعالى في سورة (البروج):
﴿فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ وفي سورة (المعارج): ﴿نَزّاعَةً لِلشَّوى﴾ وفي سورة (الأنبياء): ﴿وَكُنّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ،﴾ وأورد ابن هشام قول حاتم الطائي-وقيل: هو لقيس بن عاصم المنقري-﵁-وهو الشاهد رقم [٣٩٨] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الطويل]
إذا ما صنعت الزّاد فالتمسي له... أكيلا فإنّي لست آكله وحدي
﴿مِنْ قَبْلِ:﴾ متعلقان بالفعل: ﴿آمِنُوا﴾. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿نَطْمِسَ:﴾
فعل مضارع منصوب ب ﴿أَنْ﴾ والفاعل مستتر فيه وجوبا تقديره: نحن، والمصدر المؤول منهما في محل جر بإضافة: ﴿قَبْلِ﴾ إليه. ﴿وُجُوهاً:﴾ مفعول به. ﴿فَنَرُدَّها:﴾ الفاء: حرف عطف.
(نردّها): معطوف على نطمس منصوب مثله، والفاعل تقديره: نحن، و (ها) مفعول به. ﴿عَلى أَدْبارِها:﴾ متعلقان بما قبلهما، وها: في محل جر بالإضافة. (أو): حرف عطف. ﴿نَلْعَنَهُمْ:﴾
معطوف على ما قبله منصوب مثله، والفاعل تقديره: نحن، والهاء مفعول به.
﴿كَما:﴾ الكاف: حرف تشبيه وجر. (ما): مصدرية. ﴿لَعَنّا:﴾ فعل، وفاعل، و (ما) والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جرّ بالكاف، والجار والمجرور متعلّقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، التقدير: نلعنهم لعنا كائنا مثل لعننا أصحاب السبت. وهو قول أبي البقاء، وغيره في مثل هذا التركيب. ومذهب سيبويه في مثله النصب على الحال من المصدر المفهوم من الفعل المتقدّم على طريق الاتساع، فيكون التقدير: نلعنهم على مثل هذه الحالة، وجملة: ﴿وَكانَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محلّ لها.
﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدِ اِفْتَرى إِثْماً عَظِيماً (٤٨)﴾
الشرح: قال ابن جرير الطّبري-رحمه الله تعالى-: معناه: يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا، فإنّ الله لا يغفر أن يشرك به، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء. فعلى هذا يكون
Juz 2, hlm. 478 ›
في الآية دلالة على: أنّ اليهودي يسمّى مشركا في عرف الشّرع. وقيل: إنّ الآية نزلت في وحشي، وأصحابه، وذلك لمّا قتل وحشيّ حمزة-﵁-ورجع إلى مكّة؛ ندم هو وأصحابه، فكتبوا إلى رسول الله ﷺ: إنّا قد ندمنا على ما صنعنا، وإنّه ليس يمنعنا من الإسلام إلا أنّا سمعناك بمكّة، تقول: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ..﴾. إلخ الآيات من سورة (الفرقان) وقد دعونا مع الله إلها آخر، وقتلنا النفس الّتي حرم الله، وزنينا، فلولا هذه الآية؛ لاتّبعناك، فنزلت: ﴿إِلاّ مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صالِحاً..﴾. إلخ الآيتان من سورة (الفرقان) بعد الأولى، فبعث بهما رسول الله ﷺ إليهم، فلمّا قرءوهما؛ كتبوا إليه: هذا شرط شديد، ونخاف ألا نعمل عملا صالحا، فنزلت: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ﴾ فبعث بها إليهم، فبعثوا إليه: إنّا نخاف ألا نكون من أهل المشيئة، فنزلت: ﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ..﴾. إلخ الآية من سورة (الزمر) فبعث بها إليهم، فدخلوا في الإسلام، ورجعوا إلى النبيّ ﷺ، فقبل منهم.
ثم قال لوحشي: «أخبرني كيف قتلت حمزة؟» فلمّا أخبره، قال: «ويحك! غيّب وجهك عنّي». فلحق بالشّام، فكان به إلى أن مات. انتهى خازن. والمشهور: أنّ هذا كان بعد فتح مكة، بعد أن أهدر الرّسول ﷺ دم وحشي فيمن أهدر، وضاقت عليه الأرض بما رحبت، فتوسّل ببعض الصّحابة، فأدله على النبي الكريم، فعفا عنه، وحصل ما حصل من المناقشة شفاها، ونزلت الآيات تباعا، أو متفرقات. ولحوق وحشي بالشّام كان بعد وفاة النبي ﷺ بزمن طويل؛ إذ كان بعد فتح بلاد الشام في زمن الفاروق-﵁. والمشهور: أنّه أقام في بلاد الحجاز. وحارب في حروب الردّة، وهو الذي قتل مسيلمة الكذاب، وكان يقول: قتلت خير رجل في الإسلام، وشرّ رجل في الكفر، وأرجو أن تكون هذه بهذه! ويروى: أنّه لمّا قال له النبيّ ﷺ: «ويحك! غيّب وجهك عنّي!» قال: أنبيّ، وحقود؟ فقال ﷺ: «بل نبيّ، وفقود».
بعد هذا: المراد بالشّرك مطلق الكفر المنتظم لكفر اليهود انتظاما أوّليّا، فإنّ الشرع قد نصّ على شرك أهل الكتاب قاطبة، وقضى بخلود أصناف الكفرة في النّار. ﴿وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ﴾ أي:
ما دون الشّرك من الذنوب صغائرها، وكبائرها. ﴿لِمَنْ يَشاءُ﴾ أي: لمن يتكرّم الله عليه، ويتفضّل بالعفو، والإحسان. ﴿اِفْتَرى:﴾ فعل، واقترف ﴿إِثْماً:﴾ ذنبا.
وفي الآية تهديد، ووعيد لليهود، فإنّهم كانوا يفعلون ما يفعلون من التّحريف في التوراة، ويطمعون في المغفرة، كما قال تعالى عنهم في سورة (الأعراف) رقم [١٦٩]. ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا الْأَدْنى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا﴾ ولمّا هددهم الله بهذه الآية؛ قالوا:
لسنا مشركين، بل نحن من خواصّ خلق الله، كما حكى الله عنهم قولهم في سورة (البقرة):
﴿وَقالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النّارُ إِلاّ أَيّاماً مَعْدُودَةً،﴾ وحكى عنهم: أنهم قالوا: ﴿وَقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ﴾
Juz 2, hlm. 479 ›
إِلاّ مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى، وحكى قولهم في سورة (المائدة): ﴿وَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى نَحْنُ أَبْناءُ اللهِ وَأَحِبّاؤُهُ﴾.
هذا؛ وفي الآية ردّ على المعتزلة، والقدرية؛ حيث قالوا: لا يجوز في الحكمة أن يغفر لصاحب كبيرة. وعند أهل السنة: إنّ الله يفعل ما يشاء، لا مكره له، ولا حجر عليه، ويدلّ على ذلك ما روي عن ابن عمر-﵄: أنّه قال: كنّا على عهد رسول الله ﷺ إذا مات الرجل على كبيرة؛ شهدنا: أنّه من أهل النّار حتّى نزلت هذه الآية: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ..﴾. إلخ، فأمسكنا عن الشهادة. ويروى عن عليّ-﵁: أنّه قال: ما في القرآن أحبّ إليّ من هذه الآية: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ﴾. أخرجه الترمذيّ. وخذ ما يلي:
عن أنس-﵁-عن النبي ﷺ: «الظّلم ثلاثة: فظلم لا يغفره الله، وظلم يغفره الله، وظلم لا يترك الله منه شيئا، فأمّا الظّلم الّذي لا يغفره الله: فالشّرك؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ وأمّا الظّلم الّذي يغفره الله: فظلم العباد لأنفسهم فيما بينهم وبين ربّهم، وأمّا الظّلم الّذي لا يتركه: فظلم العباد بعضهم لبعض». رواه البخاريّ، ومسلم.
الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَغْفِرُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهَ،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية مستأنفة لا محلّ لها. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿يُشْرَكَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول منصوب ب ﴿إِنَّ﴾. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان به، وهما في محل رفع نائب فاعله، و ﴿أَنْ يُشْرَكَ﴾ في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به. ﴿وَيَغْفِرُ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وفاعله يعود إلى: ﴿اللهَ،﴾ والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. فهي في محل رفع مثلها. وقيل:
مستأنفة. وليس بشيء. ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿دُونَ:﴾ ظرف مكان متعلّق بمحذوف صلة: ﴿ما﴾ أو صفتها، و ﴿دُونَ﴾ مضاف، و ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل جرّ بالإضافة، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محلّ له. ﴿لِمَنْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل: ﴿يَغْفِرُ﴾ المثبت، و (من) تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جرّ باللام. ﴿يَشاءُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهَ﴾ والجملة الفعلية صلة (﴿مَنْ﴾) أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: للّذي، أو لشخص يشاؤه الله. ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿مَنْ﴾): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يُشْرَكَ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (من). ﴿بِاللهِ:﴾ متعلقان به. ﴿فَقَدِ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿اِفْتَرى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود
Juz 2, hlm. 480 ›
Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.