تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه - الدرة
· محمد علي طه الدرة
سورة النّساء
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سورة (النساء) مدنية إلا آية واحدة نزلت في مكّة عام الفتح في عثمان بن طلحة الحجبي، وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها..﴾. إلخ، وهي رقم [٥٨]. وهي مائة وخمس وسبعون آية، وثلاث آلاف وخمس وأربعون كلمة، وستة عشر ألف حرف وثلاثون حرفا انتهى. خازن.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿يا أَيُّهَا النّاسُ اِتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَبَثَّ مِنْهُما رِجالاً كَثِيراً وَنِساءً وَاِتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ إِنَّ اللهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً (١)﴾
الشرح: ١ - سمّيت سورة النساء لكثرة ما ورد فيها من الأحكام؛ التي تتعلّق بهنّ بدرجة لم توجد في غيرها من السّور، ولذلك أطلق عليها اسم سورة (النّساء الكبرى) في مقابلة سورة (النساء الصّغرى) التي عرفت في القرآن بسورة (الطلاق).
٢ - قال عبد الله بن مسعود-﵁: إنّ في سورة (النساء) لخمس آيات ما يسرّني أن لي بها الدنيا، وما فيها: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ،﴾ و ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ و ﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ..﴾. إلخ، و ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ﴾ و ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللهَ يَجِدِ اللهَ غَفُوراً رَحِيماً﴾. رواه ابن جرير.
٣ - ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ:﴾ نداء يعمّ بني آدم جميعا، كقوله تعالى في سورة (الأعراب): ﴿يا بَنِي آدَمَ﴾. ﴿اِتَّقُوا رَبَّكُمُ:﴾ خافوا ربّكم، واحذروا غضبه، وانتقامه؛ إن عصيتموه، وخالفتم أوامره، ونواهيه. ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ:﴾ وهو آدم، عليه ألف صلاة، وألف سلام، وإنّما أنّث ﴿واحِدَةٍ:﴾ على لفظ النفس، وإن كان المراد به آدم، وهو ذكر، كما قال بعضهم: [الوافر]
أبوك خليفة ولدته أخرى... وأنت خليفة ذاك الكمال
﴿وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها﴾ يعني: حواء، وذلك: أنّ الله تعالى لمّا خلق آدم-على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-ألقى عليه النّوم، ثمّ خلق حوّاء من ضلع من أضلاعه اليسرى، وهو قصير، فلمّا استيقظ؛ رآها جالسة عند رأسه، فقال لها: من أنت؟ قالت امرأة، قال: لماذا
Juz 2, hlm. 360 ›
خلقت؟ قالت: لتسكن إليّ، وأسكن إليك. فمال إليها، وألفها؛ لأنّها خلقت منه. هذا هو المشهور، وتؤيّده الأحاديث الشريفة، ولكن هناك من يتبجّح، ويقول: إن الله خلقها بدون واسطة، يعني: أنّ الله خلقها من تراب، كما خلق آدم، ولهذا يقدّرون مضافا محذوفا، فيقولون:
الأصل من جنسها، أي: من البشر، وهاك قول الشاعر: [الطويل]
هي الضّلع العوجاء لست تقيمها... ألا إنّ تقويم الضّلوع انكسارها
أتجمع ضعفا واقتدارا على الفتى... أليس عجيبا ضعفها واقتدارها
وعن أبي هريرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ: «استوصوا بالنّساء، فإنّ المرأة خلقت من ضلع، وإنّ أعوج ما في الضّلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه؛ كسرته، وإن تركته؛ لم يزل أعوج. فاستوصوا بالنّساء». رواه البخاريّ، ومسلم، وغيرهما. وروى ابن أبي حاتم عن قتادة، عن ابن عباس-﵄: «خلقت المرأة من الرّجل، فجعلت نهمتها في الرّجل، وخلق الرّجل من الأرض، فجعلت نهمته في الأرض، فاحبسوا نساءكم».
﴿وَبَثَّ مِنْهُما رِجالاً كَثِيراً وَنِساءً﴾ أي: نشر، وفرّق من آدم، وحواء خلائق كثيرين ذكورا، وإناثا.
وإنّما وصف الله الرّجال بالكثرة دون النساء؛ لأنّ حال الرّجال أتمّ، وأكمل، وهذا كالتنبيه على أنّ اللائق بحال الرّجال الظهور، والاستشهار، وبحال النّساء الاختفاء والخمول، والواقع والمشهور: أن نسبة الإناث أكثر من الذّكور في كلّ زمان، ومكان. هذا؛ والرّجل مشتق من الرجولة، وهي الشّجاعة، والنّجدة، والمرأة مشتقة من المرء، وهو الرّجل الذي خلقت منه، كما رأيت. ﴿وَاتَّقُوا اللهَ:﴾ كرّره للتأكيد، ولا تنس الطّباق بين: ﴿رِجالاً﴾ و (﴿نِساءً﴾)
﴿تَسائَلُونَ بِهِ:﴾ يسأل بعضكم بعضا به، فيقول: أسألك بالله، وقد حذفت منه تاء المضارعة، أصله: تتساءلون، وقرئ بتشديد السّين؛ فأدغمت التاء الثانية في السّين.
﴿وَالْأَرْحامَ﴾ أي: واتقوا الأرحام أن تقطعوها. ويقرأ بكسر الميم عطفا على الضمير المجرور بالباء، وقد استقبحها كثير من العلماء. قال أبو العباس المبرّد-رحمه الله تعالى-: لو صليت خلف إمام يقرأ: («ما أنتم بمصرخيّ»)، («واتّقوا الله الّذي تساءلون به والأرحام»)؛ لأخذت نعلي، ومضيت. ومنه قول الشاعر: [البسيط]
فاليوم قرّبت تهجونا وتشتمنا... فاذهب فما بك والأيّام من عجب
﴿إِنَّ اللهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً:﴾ حافظا، أو عالما، أو مطّلعا. هذا؛ و (الأرحام) جمع رحم، وهو القريب من جهة الأب، أو من جهة الأم، وقد عطف الله الأرحام على اسمه تنبيها على مكانتها عنده، كيف لا وقد أمر الله بصلتها في كثير من الآيات، وحذّر من قطعها، وهو الذي يقول في سورة (محمّد) ﷺ: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ (٢٢) أُولئِكَ الَّذِينَ﴾
Juz 2, hlm. 361 ›
لَعَنَهُمُ اللهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمى أَبْصارَهُمْ. والرسول ﷺ حثّ على صلة الأرحام، وحذّر من قطعها، وخذ ما يلي:
فعن أنس بن مالك-﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «من أحبّ أن يبسط له في رزقه، وأن ينسأ له في أثره، فليصل رحمه». أخرجه البخاري، ومسلم. وعن عائشة-﵂-عن النبي ﷺ قال: «الرّحم متعلّقة بالعرش، تقول: من وصلني وصله الله، ومن قطعني قطعه الله». رواه البخاريّ، ومسلم. وعن أبي هريرة-﵁-قال، قال رسول الله ﷺ:
«إنّ الله خلق الخلق حتّى إذا فرغ منهم؛ قامت الرّحم، فقالت: هذا مقام العائد بك من القطيعة، قال: نعم، أما ترضين أن أصل من وصلك، وأقطع من قطعك؟ قالت: بلى! قال: فذاك لك، ثمّ قال رسول الله ﷺ: اقرءوا إن شئتم: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ (٢٢) أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمى أَبْصارَهُمْ»﴾. رواه البخاريّ، ومسلم.
قال المرحوم سليمان الجمل: ومعلوم: أنّ (كان) في القرآن الكريم على أوجه: بمعنى الأزل، والأبد، وبمعنى المضي المنقطع، وهو الأصل في معناها، وبمعنى الحال، وبمعنى الاستقبال، وبمعنى: «صار» وبمعنى: «ينبغي» وبمعنى: «حضر» أو «وجد» أو «حصل» وترد للتأكيد، وهي الزائدة. انتهى نقلا عن كرخي، ولو قلنا: إنّ «كان» من أفعال الاستمرار، ومعنى:
﴿إِنَّ اللهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ كان، ولم يزل كائنا إلى يوم القيامة، وإلى أبد الآبدين في الدّنيا، والآخرة لكان كافيا وافيا.
الإعراب: (﴿يا﴾): حرف نداء ينوب مناب «أدعو» أو أنادي. (﴿أَيُّهَا﴾): نكرة مقصودة مبنية على الضم في محل نصب ب (﴿يا﴾) وها: حرف تنبيه لا محلّ لها، وأقحم للتوكيد، وهو عوض من المضاف إليه، ولا يقال: ضمير في محل جر بالإضافة؛ لأنه يجب حينئذ نصب المنادى.
﴿النّاسُ﴾ بعضهم يعرب هذا، وأمثاله نعتا، وبعضهم يعربه بدلا، والقول الفصل: أن الاسم الواقع بعد «أيّ» واسم الإشارة إن كان مشتقّا؛ فهو نعت، وإن كان جامدا كما هنا؛ فهو بدل، أو عطف بيان، والمتبوع، أعني: (أيّ) منصوب محلاّ، وكذا التابع أعني: (﴿النّاسُ﴾) فهو منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدّرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة الإتباع اللّفظية، وإنّما أتبعت ضمة البناء مع أنّها لا تتبع؛ لأنها وإن كانت ضمّة بناء؛ لكنّها عارضة، فأشبهت ضمة الإعراب، فلذا جاز إتباعها. أفاده الصبّان؛ لأنه قال: والمتجه وفاقا لبعضهم: أن ضمة التابع إتباع، لا إعراب، ولا بناء. وقيل: إنّ رفع التابع المذكور إعراب، واستشكل بعدم المقتضي للرّفع، وأجيب بأنّ العامل يقدّر من لفظ عامل المتبوع مبنيّا للمجهول، نحو: «يدعى» وهو مع ما فيه من التكلّف يؤدّي إلى قطع المتبوع. وقيل: إن رفع التابع المذكور بناء؛ لأنّ المنادى في الحقيقة هو المحلّى بال، ولكن لمّا لم يمكن إدخال حرف النداء عليه؛ توصّلوا إلى
Juz 2, hlm. 362 ›
Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.