Lewati ke konten

QS. An-Nisa': 1 النساء

يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴿١﴾

Tafsir

Kitab tafsir lain (29)

فتح القدير للشوكاني · الشوكاني

وَصَحَّحَهُ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: «وجد رسول الله ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ شَيْئًا فَلَمَّا أَصْبَحَ قِيلَ:

يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ أَثَرَ الْوَجَعِ عَلَيْكَ لَبَّيِّنٌ، قَالَ: أَمَا إِنِّي عَلَى مَا تَرَوْنَ بِحَمْدِ اللَّهِ قَدْ قَرَأْتُ السَّبْعَ الطِّوَالَ» .

وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: «قُمْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَرَأَ السَّبْعَ الطِّوَالَ فِي سَبْعِ رَكَعَاتٍ» . وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ النَّبِيِّ ﷺ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَرَأَ بِالسَّبْعِ الطِّوَالِ فِي رَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ» . وَأَخْرَجَ الْحَاكِمُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: «سَلُونِي عَنْ سُورَةِ النِّسَاءِ فَإِنِّي قَرَأْتُ الْقُرْآنَ وَأَنَا صَغِيرٌ» قَالَ الْحَاكِمُ:

صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ وَلَمْ يُخْرِجَاهُ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي الْمُصَنَّفِ عَنْهُ قَالَ: «مَنْ قَرَأَ سُورَةَ النِّسَاءِ فَعَلِمَ مَا يُحْجَبُ مِمَّا لَا يُحْجَبُ علم الفرائض» .

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

[سورة النساء (٤) : الآيات ١ الى ٤]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَبَثَّ مِنْهُما رِجالاً كَثِيراً وَنِساءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً (١) وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ إِنَّهُ كانَ حُوباً كَبِيراً (٢) وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا مَا طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ ذلِكَ أَدْنى أَلاَّ تَعُولُوا (٣) وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً (٤)

الْمُرَادُ بِالنَّاسِ: الْمَوْجُودُونَ عِنْدَ الْخِطَابِ مِنْ بَنِي آدَمَ، وَيَدْخُلُ مَنْ سَيُوجَدُ، بِدَلِيلٍ خَارِجِيٍّ، وَهُوَ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّهُمْ مُكَلَّفُونَ بِمَا كُلِّفَ بِهِ الْمَوْجُودُونَ، أَوْ تَغْلِيبُ الْمَوْجُودِينَ عَلَى مَنْ لَمْ يُوجَدْ، كَمَا غَلَّبَ الذُّكُورَ عَلَى الْإِنَاثِ فِي قَوْلِهِ: اتَّقُوا رَبَّكُمُ لِاخْتِصَاصِ ذَلِكَ بِجَمْعِ الْمُذَكَّرِ. وَالْمُرَادُ بِالنَّفْسِ الْوَاحِدَةِ هُنَا: آدَمَ. وَقَرَأَ ابْنُ أَبِي عَبْلَةَ: وَاحِدٍ، بِغَيْرِ هَاءٍ، عَلَى مُرَاعَاةِ الْمَعْنَى، فَالتَّأْنِيثُ: بِاعْتِبَارِ اللَّفْظِ، وَالتَّذْكِيرُ: بِاعْتِبَارِ الْمَعْنَى. قَوْلُهُ:

وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها قِيلَ: هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى مُقَدَّرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ الْكَلَامُ، أَيْ: خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ خَلَقَهَا أَوَّلًا، وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَقِيلَ: عَلَى: خَلْقِكُمْ، فَيَكُونُ الْفِعْلُ الثَّانِي دَاخِلًا مَعَ الْأَوَّلِ فِي حَيِّزِ الصِّلَةِ.

وَالْمَعْنَى: وَخَلَقَ مِنْ تِلْكَ النَّفْسِ الَّتِي هِيَ عِبَارَةٌ عَنْ آدَمَ زَوْجَهَا، وَهِيَ حَوَّاءُ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْبَقَرَةِ مَعْنَى:

التَّقْوَى، وَالرَّبِّ، وَالزَّوْجِ، وَالْبَثِّ، وَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ: مِنْها رَاجِعٌ إلى آدم وحواء المعبر عنهما بالنفس والزوج. وقوله: كَثِيراً وصف مؤكد، تُفِيدُهُ صِيغَةُ الْجَمْعِ، لِكَوْنِهَا مِنْ جُمُوعِ الْكَثْرَةِ، وَقِيلَ: هُوَ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أَيْ: بَثًّا كَثِيرًا. وَقَوْلُهُ: وَنِساءً أَيْ: كَثِيرَةً، وَتَرَكَ التَّصْرِيحَ بِهِ اسْتِغْنَاءً بِالْوَصْفِ الْأَوَّلِ. قَوْلُهُ: وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ: قَرَأَ أَهْلُ الْكُوفَةِ بِحَذْفِ التَّاءِ الثَّانِيَةِ، وَأَصْلُهُ تَتَسَاءَلُونَ، تَخْفِيفًا لِاجْتِمَاعِ الْمِثْلَيْنِ. وَقَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ، وَابْنُ كَثِيرٍ، وَأَبُو عَمْرٍو، وَابْنُ عَامِرٍ، بِإِدْغَامِ التَّاءِ فِي

Juz 1, hlm. 479 ›

السِّينِ وَالْمَعْنَى: يَسْأَلُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا بِاللَّهِ وَالرَّحِمِ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَقْرِنُونَ بَيْنَهُمَا فِي السُّؤَالِ وَالْمُنَاشَدَةِ، فَيَقُولُونَ: أَسْأَلُكَ بِاللَّهِ وَالرَّحِمِ، وَأَنْشُدُكَ اللَّهَ وَالرَّحِمَ، وَقَرَأَ النَّخَعِيُّ، وَقَتَادَةُ، وَالْأَعْمَشُ، وَحَمْزَةُ:

وَالْأَرْحامَ بِالْجَرِّ. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالنَّصْبِ.

وَقَدِ اخْتَلَفَ أَئِمَّةُ النَّحْوِ فِي تَوْجِيهِ قِرَاءَةِ الْجَرِّ، فَأَمَّا الْبَصْرِيُّونَ فَقَالُوا: هِيَ لَحْنٌ لَا تَجُوزُ الْقِرَاءَةُ بِهَا. وَأَمَّا الْكُوفِيُّونَ فَقَالُوا: هِيَ قِرَاءَةٌ قَبِيحَةٌ. قَالَ سِيبَوَيْهِ فِي تَوْجِيهِ هَذَا الْقُبْحِ: إِنَّ الْمُضْمَرَ الْمَجْرُورَ بِمَنْزِلَةِ التَّنْوِينِ، وَالتَّنْوِينُ لَا يُعْطَفُ عَلَيْهِ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ وَجَمَاعَةٌ: بِقُبْحِ عَطْفِ الِاسْمِ الظَّاهِرِ عَلَى الْمُضْمَرِ فِي الْخَفْضِ إِلَّا بِإِعَادَةِ الْخَافِضِ كَقَوْلِهِ تعالى: فَخَسَفْنا بِهِ وَبِدارِهِ الْأَرْضَ وَجَوَّزَ سِيبَوَيْهِ ذَلِكَ فِي ضَرُورَةِ الشِّعْرِ، وَأَنْشَدَ:

فَالْيَوْمَ قَرَّبْتَ تَهْجُونَا وَتَمْدَحُنَا «١» ... فَاذْهَبْ فَمَا بِكَ والأيّام من عجب

ومثله قول الآخر:

نعلّق فِي مِثْلِ السَّوَارِي سُيُوفُنَا ... وَمَا بَيْنَهَا وَالْكَعْبِ مهوى «٢» نَفَانِفُ

بِعَطْفِ الْكَعْبِ عَلَى الضَّمِيرِ فِي بَيْنِهَا. وَحَكَى أَبُو عَلِيٍّ الْفَارِسِيُّ أَنَّ الْمُبَرِّدَ قَالَ: لَوْ صَلَّيْتُ خَلْفَ إِمَامٍ يَقْرَأُ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ بِالْجَرِّ، لَأَخَذْتُ نَعْلَيَّ وَمَضَيْتُ. وَقَدْ رَدَّ الْإِمَامُ أَبُو نَصْرٍ الْقُشَيْرِيُّ مَا قَالَهُ الْقَادِحُونَ فِي قِرَاءَةِ الْجَرِّ فَقَالَ: وَمِثْلُ هَذَا الْكَلَامِ مَرْدُودٌ عِنْدَ أَئِمَّةِ الدِّينِ، لِأَنَّ الْقِرَاءَاتِ التي قرأ بها أئمة القراء ثبتت عن النبي ﷺ تَوَاتُرًا، وَلَا يَخْفَى عَلَيْكَ أَنْ دَعْوَى التَّوَاتُرِ بَاطِلَةٌ يَعْرِفُ ذَلِكَ مَنْ يَعْرِفُ الْأَسَانِيدَ الَّتِي رَوَوْهَا بِهَا، وَلَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يُحْتَجَّ لِلْجَوَازِ بِوُرُودِ ذَلِكَ فِي أَشْعَارِ الْعَرَبِ كَمَا تقدم، وكما في قول بعضهم:

فحسبك وَالضَّحَّاكِ سَيْفُ مُهَنَّدُ وَقَوْلِ الْآخَرِ:

وَقَدْ رَامَ آفَاقُ السَّمَاءِ فَلَمْ يَجِدْ ... لَهُ مِصْعَدًا فِيهَا وَلَا الْأَرْضِ مَقْعَدَا

وَقَوْلِ الْآخَرِ:

مَا إِنْ بِهَا وَالْأُمُورِ مِنْ تَلَفٍ «٣»

...............

وَقَوْلِ الْآخَرِ:

أَكُرُّ عَلَى الْكَتِيبَةِ لَسْتُ أَدْرِي ... أَحَتْفِي كَانَ فِيهَا أَمْ سِوَاهَا

فَسِوَاهَا: فِي مَوْضِعِ جَرٍّ عَطْفًا عَلَى الضَّمِيرِ فِي فِيهَا، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ وَمَنْ

Juz 1, hlm. 480 ›

لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ «١» . وَأَمَّا قِرَاءَةُ النَّصْبِ فَمَعْنَاهَا وَاضِحٌ جَلِيٌّ، لِأَنَّهُ عَطَفَ الرَّحِمَ عَلَى الِاسْمِ الشَّرِيفِ، أَيِ:

اتَّقُوا الله واتقوا الأرحام فلا تقطعوها، فإنهما مِمَّا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَقِيلَ: إِنَّهُ عَطْفٌ عَلَى مَحَلِّ الْجَارِّ وَالْمَجْرُورِ فِي قَوْلِهِ: بِهِ كَقَوْلِكَ مَرَرْتُ بِزَيْدٍ وَعُمْرًا، أَيِ: اتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَتَتَسَاءَلُونَ بِالْأَرْحَامِ. وَالْأَوَّلُ أَوْلَى. وَقَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ: وَالْأَرْحَامُ بِالرَّفْعِ عَلَى الِابْتِدَاءِ، وَالْخَبَرُ مُقَدَّرٌ، أَيْ: وَالْأَرْحَامُ صِلُوهَا، أَوْ:

وَالْأَرْحَامُ أَهْلٌ أَنْ تُوصَلَ، وَقِيلَ: إِنَّ الرَّفْعَ عَلَى الْإِغْرَاءِ عِنْدَ مَنْ يَرْفَعُ بِهِ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:

إِنَّ قَوْمًا مِنْهُمْ عَمِيرٌ وَأَشْبَا ... هُـ عَمِيرٍ وَمِنْهُمُ السَّفَّاحُ

لجديرون باللّقاء إذا قا ... ل أخو النَّجْدَةِ: السِّلَاحُ السِّلَاحُ

وَالْأَرْحَامُ: اسْمٌ لِجَمِيعِ الْأَقَارِبِ مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ الْمُحَرَّمِ وَغَيْرِهِ، لَا خِلَافَ فِي هَذَا بَيْنَ أَهْلِ الشَّرْعِ، وَلَا بَيْنَ أَهْلِ اللُّغَةِ. وَقَدْ خَصَّصَ أَبُو حَنِيفَةَ وَبَعْضُ الزَّيْدِيَّةِ الرَّحِمَ بِالْمُحَرَّمِ فِي مَنْعِ الرُّجُوعِ فِي الْهِبَةِ مَعَ مُوَافَقَتِهِمْ عَلَى أَنَّ مَعْنَاهَا أَعَمُّ، وَلَا وَجْهَ لِهَذَا التَّخْصِيصِ. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: اتَّفَقَتِ الْمِلَّةُ عَلَى أَنَّ صِلَةَ الرَّحِمِ وَاجِبَةٌ، وَأَنْ قَطِيعَتَهَا مُحَرَّمَةٌ. انْتَهَى. وَقَدْ وَرَدَتْ بِذَلِكَ الْأَحَادِيثُ الْكَثِيرَةُ الصَّحِيحَةُ. وَالرَّقِيبُ: الْمُرَاقِبُ، وَهِيَ صِيغَةُ مُبَالَغَةٍ، يُقَالُ: رَقَبْتُ، أَرْقُبُ، رُقْبَةً وَرُقْبَانًا: إِذَا انْتَظَرْتَ. قَوْلُهُ: وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ

خِطَابٌ لِلْأَوْلِيَاءِ وَالْأَوْصِيَاءِ. وَالْإِيتَاءُ: الْإِعْطَاءُ. وَالْيَتِيمُ: مَنْ لَا أَبَ لَهُ. وَقَدْ خَصَّصَهُ الشَّرْعُ بِمَنْ لَمْ يَبْلُغِ الْحُلُمَ.

وَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مَعْنَاهُ فِي الْبَقَرَةِ مُسْتَوْفًى، وَأَطْلَقَ اسْمَ الْيَتِيمِ عَلَيْهِمْ عِنْدَ إِعْطَائِهِمْ أَمْوَالَهُمْ- مَعَ أَنَّهُمْ لَا يُعْطَوْنَهَا إِلَّا بَعْدَ ارتفاع اسم اليتيم بِالْبُلُوغِ- مَجَازًا بِاعْتِبَارِ مَا كَانُوا عَلَيْهِ وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ: بِالْيَتَامَى الْمَعْنَى الْحَقِيقِيَّ، وَبِالْإِيتَاءِ: مَا يَدْفَعُهُ الْأَوْلِيَاءُ وَالْأَوْصِيَاءُ إِلَيْهِمْ مِنَ النَّفَقَةِ وَالْكُسْوَةِ، لا دفعها جميعا، وهذا الْآيَةُ مُقَيَّدَةٌ بِالْآيَةِ الْأُخْرَى وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى: فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ «٢» فَلَا يَكُونُ مُجَرَّدُ ارْتِفَاعِ الْيُتْمِ بِالْبُلُوغِ مُسَوِّغًا لِدَفْعِ أَمْوَالِهِمْ إِلَيْهِمْ، حَتَّى يُؤْنَسَ مِنْهُمُ الرُّشْدُ. قَوْلُهُ: وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ نَهْيٌ لَهُمْ عَنْ أَنْ يَصْنَعُوا صُنْعَ الْجَاهِلِيَّةِ فِي أَمْوَالِ الْيَتَامَى، فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَأْخُذُونَ الطَّيِّبَ مِنْ أَمْوَالِ الْيَتَامَى وَيُعَوِّضُونَهُ بِالرَّدِيءِ مِنْ أَمْوَالِهِمْ، وَلَا يَرَوْنَ بِذَلِكَ بَأْسًا، وَقِيلَ: الْمَعْنَى: لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَ الْيَتَامَى- وَهِيَ مُحَرَّمَةٌ خَبِيثَةٌ- وَتَدَعُوا الطَّيِّبَ مِنْ أَمْوَالِكُمْ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ: لَا تَتَعَجَّلُوا أَكْلَ الْخَبِيثِ مِنْ أَمْوَالِهِمْ، وَتَدَعُوا انْتِظَارَ الرِّزْقِ الْحَلَالِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ. وَالْأَوَّلُ أَوْلَى فَإِنَّ تَبَدُّلَ الشَّيْءِ بِالشَّيْءِ فِي اللُّغَةِ: أَخْذُهُ مَكَانَهُ، وَكَذَلِكَ اسْتِبْدَالُهُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمانِ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ «٣» وَقَوْلُهُ: أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ «٤» . وَأَمَّا التَّبْدِيلُ: فَقَدْ يُسْتَعْمَلُ كَذَلِكَ، كَمَا فِي قَوْلِهِ: وَبَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ «٥» ، وَأُخْرَى بِالْعَكْسِ، كَمَا فِي قَوْلِكَ: بَدَّلْتُ الْحَلْقَةَ بِالْخَاتَمِ: إِذَا أَذَبْتَهَا وَجَعَلْتَهَا خَاتَمًا، نَصَّ عَلَيْهِ الْأَزْهَرِيُّ. قَوْلُهُ:

وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ ذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ: إِلَى أَنَّ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: هُوَ الْخَلْطُ، فَيَكُونُ الْفِعْلُ مُضَمَّنًا مَعْنَى الضَّمِّ، أَيْ: لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ مَضْمُومَةً إِلَى أَمْوَالِكُمْ، ثُمَّ نَسَخَ هَذَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى:

وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ «٦» وَقِيلَ: إِنَّ: إِلَى، بِمَعْنَى: مَعَ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ «٧» .

وَالْأَوَّلُ أَوْلَى. وَالْحُوبُ: الْإِثْمُ، يُقَالُ: حَابَ الرَّجُلُ، يَحُوبُ، حُوبًا: إِذَا أَثِمَ، وَأَصْلُهُ: الزَّجْرُ لِلْإِبِلِ،

Juz 1, hlm. 481 ›

Pembahasan ayat ini masih 7 halaman lagi. Lanjut membaca di kitab

Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.

Cari kutipan ayat ini di seluruh perpustakaan →