فتح القدير للشوكاني
· الشوكاني
قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ: وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ قَالَ: يَزِيدُونَ عِشْرِينَ أَلْفًا. قَالَ التِّرْمِذِيُّ: غَرِيبٌ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: يَزِيدُونَ ثَلَاثِينَ أَلْفًا. وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُمْ يَزِيدُونَ بِضْعَةً وَثَلَاثِينَ أَلْفًا. وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُمْ يَزِيدُونَ بِضْعَةً وَأَرْبَعِينَ أَلْفًا، وَلَا يَتَعَلَّقُ بِالْخِلَافِ في هذا كثير فائدة.
[سورة الصافات (٣٧) : الآيات ١٤٩ الى ١٨٢]
فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَناتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ (١٤٩) أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِناثاً وَهُمْ شاهِدُونَ (١٥٠) أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ (١٥١) وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (١٥٢) أَصْطَفَى الْبَناتِ عَلَى الْبَنِينَ (١٥٣)
مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (١٥٤) أَفَلا تَذَكَّرُونَ (١٥٥) أَمْ لَكُمْ سُلْطانٌ مُبِينٌ (١٥٦) فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٥٧) وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (١٥٨)
سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٥٩) إِلاَّ عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (١٦٠) فَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ (١٦١) مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ (١٦٢) إِلاَّ مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ (١٦٣)
وَما مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ (١٦٤) وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (١٦٥) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ (١٦٦) وَإِنْ كانُوا لَيَقُولُونَ (١٦٧) لَوْ أَنَّ عِنْدَنا ذِكْراً مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٦٨)
لَكُنَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (١٦٩) فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (١٧٠) وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ (١٧٣)
فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (١٧٤) وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (١٧٥) أَفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ (١٧٦) فَإِذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ (١٧٧) وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (١٧٨)
وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (١٧٩) سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٨٢)
لَمَّا كَانَتْ قُرَيْشٌ، وَقَبَائِلُ مِنَ الْعَرَبِ يَزْعُمُونَ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ بَنَاتُ اللَّهِ أَمَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ رَسُولَهُ ﷺ بِاسْتِفْتَائِهِمْ عَلَى طَرِيقَةِ التَّقْرِيعِ وَالتَّوْبِيخِ، فَقَالَ: فَاسْتَفْتِهِمْ يَا مُحَمَّدُ: أَيِ اسْتَخْبِرْهُمْ أَلِرَبِّكَ الْبَناتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ أَيْ: كَيْفَ يَجْعَلُونَ لِلَّهِ عَلَى تَقْدِيرِ صِدْقٍ مَا زَعَمُوهُ مِنَ الْكَذِبِ أَدْنَى الْجِنْسَيْنِ وَأَوْضَعَهُمَا وَهُوَ الْإِنَاثُ، وَلَهُمْ أَعْلَاهُمَا وَأَرْفَعَهُمَا وَهُمُ الذُّكُورُ، وَهَلْ هَذَا إِلَّا حَيْفٌ فِي القسمة لضعف عقولهم، وسواء إِدْرَاكِهِمْ، وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ: أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى «١» ثُمَّ زَادَ فِي تَوْبِيخِهِمْ، وَتَقْرِيعِهِمْ فَقَالَ: أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِناثاً وَهُمْ شاهِدُونَ فَأَضْرَبَ عَنِ الْكَلَامِ الْأَوَّلِ إِلَى مَا هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ فِي التَّبْكِيتِ وَالتَّهَكُّمِ بِهِمْ، أَيْ: كَيْفَ جَعَلُوهُمْ إِنَاثًا وَهُمْ لَمْ يَحْضُرُوا عِنْدَ خَلْقِنَا لَهُمْ، وَهَذَا كَقَوْلِهِ: وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ «٢» فَبَيَّنَ سُبْحَانَهُ أَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ لَا يُعْلَمُ إِلَّا بِالْمُشَاهَدَةِ وَلَمْ يَشْهَدُوا، وَلَا دَلَّ دَلِيلٌ عَلَى قَوْلِهِمْ مِنَ السَّمْعِ، وَلَا هُوَ مِمَّا يُدْرَكُ بِالْعَقْلِ حَتَّى يَنْسُبُوا إِدْرَاكَهُ إِلَى عُقُولِهِمْ. ثُمَّ أَخْبَرَ سُبْحَانَهُ عَنْ كَذِبِهِمْ فَقَالَ: أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ فَبَيَّنَ سُبْحَانَهُ أَنَّ قَوْلَهُمْ هَذَا هُوَ مِنَ الْإِفْكِ وَالِافْتِرَاءِ مِنْ دُونِ دَلِيلٍ وَلَا شُبْهَةِ دَلِيلٍ فَإِنَّهُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ. قَرَأَ الْجُمْهُورُ وَلَدَ اللَّهُ فِعْلًا مَاضِيًا مُسْنَدًا إِلَى اللَّهِ. وَقُرِئَ بِإِضَافَةِ وَلَدٍ إِلَى اللَّهِ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أَيْ: يَقُولُونَ الملائكة ولد الله، والولد بمعنى
Juz 4, hlm. 474 ›
مَفْعُولٍ يَسْتَوِي فِيهِ الْمُفْرَدُ وَالْمُثَنَّى، وَالْمَجْمُوعُ، وَالْمُذَكَّرُ وَالْمُؤَنَّثُ. ثُمَّ كَرَّرَ سُبْحَانَهُ تَقْرِيعَهُمْ، وَتَوْبِيخَهُمْ فَقَالَ:
أَصْطَفَى الْبَناتِ عَلَى الْبَنِينَ قَرَأَ الْجُمْهُورُ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ عَلَى أَنَّهَا لِلِاسْتِفْهَامِ الْإِنْكَارِيِّ، وَقَدْ حُذِفَ مَعَهَا هَمْزَةُ الْوَصْلِ اسْتِغْنَاءً بِهِ عَنْهَا. وَقَرَأَ نَافِعٌ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ، وَأَبُو جَعْفَرٍ، وَشَيْبَةُ، وَالْأَعْمَشُ بِهَمْزَةِ وَصْلٍ تَثْبُتُ ابْتِدَاءً، وَتَسْقُطُ دَرْجًا، وَيَكُونُ الِاسْتِفْهَامُ مَنْوِيًّا قَالَهُ الْفَرَّاءُ. وَحُذِفَ حَرْفُهُ لِلْعِلْمِ بِهِ مِنَ الْمَقَامِ، أَوْ عَلَى أَنِ اصْطَفَى وَمَا بَعْدَهُ بَدَلٌ مِنَ الْجُمْلَةِ الْمَحْكِيَّةِ بِالْقَوْلِ. وَعَلَى تَقْدِيرِ عَدَمِ الِاسْتِفْهَامِ وَالْبَدَلِ. فَقَدْ حَكَى جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُحَقِّقِينَ مِنْهُمُ الْفَرَّاءُ أَنَّ التَّوْبِيخَ يَكُونُ بِاسْتِفْهَامٍ، وَبِغَيْرِ اسْتِفْهَامٍ كَمَا فِي قوله: أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا «١» وقيل: هو على إضمار القول. وما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ جُمْلَتَانِ اسْتِفْهَامِيَّتَانِ لَيْسَ لِأَحَدِهِمَا تَعَلُّقٌ بِالْأُخْرَى مِنْ حَيْثُ الْإِعْرَابِ: اسْتَفْهِمْهُمْ أَوَّلًا عَمَّا اسْتَقَرَّ لَهُمْ وَثَبَتَ؟ اسْتِفْهَامٌ بِإِنْكَارٍ، وَثَانِيًا:
اسْتِفْهَامُ تَعَجُّبٍ مِنْ هَذَا الْحُكْمِ الَّذِي حَكَمُوا بِهِ، وَالْمَعْنَى: أَيُّ شَيْءٍ ثَبَتَ لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ لِلَّهِ بِالْبَنَاتِ وَهُمُ الْقِسْمُ الَّذِي تَكْرَهُونَهُ، وَلَكُمْ بِالْبَنِينَ وَهُمُ الْقِسْمُ الَّذِي تُحِبُّونَهُ؟ أَفَلا تَذَكَّرُونَ أَيْ: تَتَذَكَّرُونَ فَحُذِفَتْ إِحْدَى التَّاءَيْنِ، وَالْمَعْنَى: أَلَا تَعْتَبِرُونَ وَتَتَفَكَّرُونَ فَتَتَذَكَّرُونَ بُطْلَانَ قَوْلِكُمْ أَمْ لَكُمْ سُلْطانٌ مُبِينٌ أَيْ:
حُجَّةٌ وَاضِحَةٌ ظَاهِرَةٌ عَلَى هَذَا الَّذِي تَقُولُونَهُ، وَهُوَ إِضْرَابٌ عَنْ تَوْبِيخٍ إِلَى تَوْبِيخٍ وَانْتِقَالٌ مِنْ تَقْرِيعٍ إِلَى تَقْرِيعٍ.
فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ
أَيْ: فَأْتُوا بِحُجَّتِكُمُ الْوَاضِحَةِ عَلَى هَذَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فِيمَا تَقُولُونَهُ، أَوْ فَأْتُوا بِالْكُتَّابِ الَّذِي يَنْطِقُ لَكُمْ بِالْحُجَّةِ وَيَشْتَمِلُ عَلَيْهَا وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً قَالَ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ:
إِنَّ الْمُرَادَ بِالْجِنَّةِ هُنَا الْمَلَائِكَةُ، قِيلَ لَهُمْ: جِنَّةٌ، لِأَنَّهُمْ لَا يُرَوْنَ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هُمْ بَطْنٌ مِنْ بُطُونِ الْمَلَائِكَةِ يُقَالُ لَهُمُ الْجِنَّةُ. وَقَالَ أَبُو مَالِكٍ: إِنَّمَا قِيلَ لَهُمُ الْجِنَّةُ لِأَنَّهُمْ خُزَّانٌ عَلَى الْجِنَانِ. وَالنَّسَبُ: الصِّهْرُ. قَالَ قَتَادَةُ وَالْكَلْبِيُّ:
قَالُوا لَعَنَهُمُ اللَّهُ: إِنِ اللَّهَ صَاهَرَ الْجِنَّ فَكَانَتِ الْمَلَائِكَةُ مِنْ أَوْلَادِهِمْ قَالَا: وَالْقَائِلُ بِهَذِهِ الْمَقَالَةِ الْيَهُودُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَالسُّدِّيُّ وَمُقَاتِلٌ: إِنَّ الْقَائِلَ بِذَلِكَ كِنَانَةُ وَخُزَاعَةُ قَالُوا: إِنَّ اللَّهَ خَطَبَ إِلَى سَادَاتِ الْجِنِّ فَزَوَّجُوهُ مِنْ سَرَوَاتِ بَنَاتِهِمْ، فَالْمَلَائِكَةُ بَنَاتُ اللَّهِ مِنْ سَرَوَاتِ بَنَاتِ الْجِنِّ. وَقَالَ الْحَسَنُ: أَشْرَكُوا الشَّيْطَانَ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ، فَهُوَ النَّسَبُ الَّذِي جَعَلُوهُ. ثُمَّ رَدَّ اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ أَيْ:
عَلِمُوا أَنَّ هَؤُلَاءِ الْكُفَّارَ الَّذِينَ قَالُوا هَذَا الْقَوْلَ يُحْضَرُونَ النَّارَ وَيُعَذَّبُونَ فِيهَا. وَقِيلَ: عَلِمَتِ الْجِنَّةُ أَنَّهُمْ أَنْفُسَهُمْ يَحْضُرُونَ لِلْحِسَابِ. وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، لِأَنَّ الْإِحْضَارَ إِذَا أطلق فالمراد لعذاب. وَقِيلَ الْمَعْنَى: وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ أَنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ إِلَى الْجَنَّةِ. ثُمَّ نَزَّهَ سُبْحَانَهُ نَفْسَهُ فَقَالَ: سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ أَوْ هُوَ حِكَايَةٌ لِتَنْزِيهِ الْمُلْكِ لِلَّهِ ﷿ عَمَّا وَصَفَهُ بِهِ الْمُشْرِكُونَ، وَالِاسْتِثْنَاءُ فِي قَوْلِهِ. إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ مُنْقَطِعٌ، وَالتَّقْدِيرُ:
لَكِنَّ عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ بَرِيئُونَ عَنْ أَنْ يَصِفُوا اللَّهَ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ. وَقَدْ قُرِئَ بِفَتْحِ اللَّامِ وَكَسْرِهَا وَمَعْنَاهُمَا مَا بَيَّنَاهُ قَرِيبًا. وَقِيلَ: هُوَ اسْتِثْنَاءٌ مِنَ الْمَحْضَرِينَ، أَيْ: إِنَّهُمْ يُحْضَرُونَ النَّارَ إِلَّا مَنْ أَخْلَصَ، فَيَكُونُ مُتَّصِلًا لَا مُنْقَطِعًا، وَعَلَى هَذَا تَكُونُ جُمْلَةُ التَّسْبِيحِ مُعْتَرِضَةً. ثُمَّ خَاطَبَ الْكُفَّارُ عَلَى الْعُمُومِ أَوْ كُفَّارُ مَكَّةَ عَلَى الْخُصُوصِ فَقَالَ: فَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ أَيْ: فَإِنَّكُمْ وَآلِهَتَكُمُ الَّتِي تَعْبُدُونَ من دون الله لستم
Juz 4, hlm. 475 ›
بفاتنين على الله بإفساد عباده وإضلالهم، وعلى متعلقة بفاتنين، وَالْوَاوُ فِي وَمَا تَعْبُدُونَ إِمَّا لِلْعَطْفِ عَلَى اسْمِ إِنَّ، أَوْ هُوَ بِمَعْنَى مَعَ، وَمَا مَوْصُولَةٌ أَوْ مَصْدَرِيَّةٌ، أَيْ: فَإِنَّكُمْ وَالَّذِي تَعْبُدُونَ، أَوْ وَعِبَادَتَكُمْ، وَمَعْنَى فَاتِنِينَ مُضِلِّينَ، يُقَالُ فَتَنْتُ الرجل وأفتنته، ويقال فتنه على الشَّيْءِ وَبِالشَّيْءِ كَمَا يُقَالُ أَضَلَّهُ عَلَى الشَّيْءِ وَأَضَلَّهُ بِهِ.
قَالَ الْفَرَّاءُ: أَهْلُ الْحِجَازِ يَقُولُونَ فَتَنْتُهُ، وَأَهْلُ نَجْدٍ يَقُولُونَ أَفْتَنْتُهُ، وَيُقَالُ فَتَنَ فُلَانٌ عَلَى فُلَانٍ امْرَأَتَهُ: أَيْ أَفْسَدَهَا عَلَيْهِ، فَالْفِتْنَةُ هُنَا بِمَعْنَى الْإِضْلَالِ وَالْإِفْسَادِ. قَالَ مُقَاتِلٌ: يَقُولُ مَا أَنْتُمْ بِمُضِلِّينَ أَحَدًا بِآلِهَتِكُمْ إِلَّا مَنْ قَدَرَ اللَّهُ لَهُ أَنْ يَصْلَى الْجَحِيمَ، وما في ما أَنْتُمْ نافية وأَنْتُمْ خِطَابٌ لَهُمْ وَلِمَنْ يَعْبُدُونَهُ عَلَى التَّغْلِيبِ.
قَالَ الزَّجَّاجُ: أَهْلُ التَّفْسِيرِ مُجْمِعُونَ فِيمَا عَلِمْتُ أَنَّ الْمَعْنَى: مَا أَنْتُمْ بِمُضِلِّينَ أَحَدًا إِلَّا مَنْ قَدَّرَ اللَّهُ ﷿ عَلَيْهِ أَنْ يَضِلَّ، ومنه قول الشاعر:
فردّ بنعمته كَيْدَهُ ... عَلَيْهِ وَكَانَ لَنَا فَاتِنًا
أَيْ: مُضِلًّا إِلَّا مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ قَرَأَ الْجُمْهُورُ صالِ بِكَسْرِ اللَّامِ لِأَنَّهُ مَنْقُوصٌ مُضَافٌ حُذِفَتِ الْيَاءُ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ وَحُمِلَ عَلَى لَفْظِ مَنْ، وَأُفْرِدَ كَمَا أُفْرِدَ هُوَ. وَقَرَأَ الْحَسَنُ، وَابْنُ أَبِي عَبْلَةَ بِضَمِّ اللَّامِ مع واو بعدها، وروي عنهما أنهما قرءا بِضَمِّ اللَّامِ بِدُونِ وَاوٍ. فَأَمَّا مَعَ الْوَاوِ فَعَلَى أَنَّهُ جَمْعُ سَلَامَةٍ بِالْوَاوِ حَمْلًا عَلَى مَعْنَى مَنْ، وَحُذِفَتْ نُونُ الْجَمْعِ لِلْإِضَافَةِ، وَأَمَّا بِدُونِ الْوَاوِ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ جَمْعًا، وَإِنَّمَا حُذِفَتِ الْوَاوُ خَطًّا كَمَا حُذِفَتْ لَفْظًا، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مُفْرَدًا، وَحَقُّهُ عَلَى هَذَا كَسْرُ اللَّامِ. قَالَ النَّحَّاسُ: وَجَمَاعَةُ أَهْلِ التَّفْسِيرِ يَقُولُونَ: إِنَّهُ لَحْنٌ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ هَذَا قَاضِ الْمَدِينَةِ، وَالْمَعْنَى: أَنَّ الْكُفَّارَ وَمَا يَعْبُدُونَهُ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى إِضْلَالِ أَحَدٍ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ وَهُمُ الْمُصِرُّونَ عَلَى الْكُفْرِ، وَإِنَّمَا يُصِرُّ عَلَى الْكُفْرِ مَنْ سَبَقَ الْقَضَاءُ عَلَيْهِ بِالشَّقَاوَةِ، وَإِنَّهُ مِمَّنْ يَصْلَى النَّارَ: أَيْ: يَدْخُلُهَا، ثُمَّ قَالَ الْمَلَائِكَةُ مخبرين للنبي ﷺ كَمَا حَكَاهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَنْهُمْ وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ وَفِي الْكَلَامِ حذف، والتقدير: وما منا من أَحَدٌ، أَوْ وَمَا مِنَّا مَلَكٌ إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ. وَقِيلَ التَّقْدِيرُ: وَمَا مَنَّا إِلَّا مَنْ لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ، رَجَّحَ الْبَصْرِيُّونَ التَّقْدِيرَ الْأَوَّلَ، وَرَجَّحَ الْكُوفِيُّونَ الثَّانِيَ. قَالَ الزَّجَّاجُ: هَذَا قَوْلُ الْمَلَائِكَةِ وَفِيهِ مُضْمَرٌ. الْمَعْنَى وَمَا مِنَّا مَلَكٌ إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ. ثُمَّ قَالُوا: وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ أَيْ: فِي مَوَاقِفِ الطَّاعَةِ. قَالَ قَتَادَةُ: هُمُ الْمَلَائِكَةُ صَفُّوا أَقْدَامَهُمْ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: صُفُوفُ الْمَلَائِكَةِ فِي السَّمَاءِ كَصُفُوفِ أَهْلِ الدُّنْيَا فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ أَيِ: الْمُنَزِّهُونَ لِلَّهِ الْمُقَدِّسُونَ لَهُ عَمَّا أَضَافَهُ إِلَيْهِ الْمُشْرِكُونَ، وَقِيلَ: الْمُصَلُّونَ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِقَوْلِهِمُ الْمُسَبِّحُونَ مَجْمُوعُ التَّسْبِيحِ بِاللِّسَانِ وَبِالصَّلَاةِ، وَالْمَقْصُودُ أَنَّ هَذِهِ الصِّفَاتِ هِيَ صِفَاتُ الْمَلَائِكَةِ، وَلَيْسُوا كَمَا وَصَفَهُمْ بِهِ الْكُفَّارُ مِنْ أَنَّهُمْ بَنَاتُ اللَّهِ وَإِنْ كانُوا لَيَقُولُونَ هَذَا رُجُوعٌ إِلَى الْإِخْبَارِ عَنِ الْمُشْرِكِينَ، أَيْ:
كَانُوا قَبْلَ المبعث المحمّدي إذا عيروا بِالْجَهْلِ قَالُوا: لَوْ أَنَّ عِنْدَنا ذِكْراً مِنَ الْأَوَّلِينَ أَيْ كِتَابًا مِنْ كُتُبِ الْأَوَّلِينَ كَالتَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ لَكُنَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ أَيْ: لَأَخْلَصْنَا الْعِبَادَةَ لَهُ وَلَمْ نَكْفُرْ بِهِ، وَإِنَّ فِي قَوْلِهِ:
وَإِنْ كانُوا هِيَ الْمُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وَفِيهَا ضَمِيرُ شَأْنٍ مَحْذُوفٌ، وَاللَّامُ هِيَ الْفَارِقَةُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ النَّافِيَةِ، أَيْ: وَإِنَّ الشَّأْنَ كَانَ كَفَّارُ الْعَرَبِ لَيَقُولُونَ ... إِلَخْ، وَالْفَاءُ فِي قَوْلِهِ: فَكَفَرُوا بِهِ هِيَ الْفَصِيحَةُ الدَّالَّةُ عَلَى
Juz 4, hlm. 476 ›
Pembahasan ayat ini masih 3 halaman lagi. Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.