تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه - الدرة
· محمد علي طه الدرة
﴿وَلَوْ:﴾ الواو: واو الحال. (لو): وصلية. وقيل: شرطية، ولا وجه له؛ لأنها لا جواب لها، وأيضا لا تجتمع الشرطية، والحالية. ﴿أَعْجَبَكَ:﴾ فعل ماض، والكاف مفعول به.
﴿حُسْنُهُنَّ:﴾ فاعل، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل نصب حال من فاعل ﴿تَبَدَّلَ﴾ المستتر، والرابط: الواو، والضمير. ﴿إِلاّ:﴾ أداة حصر. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع بدل من: ﴿النِّساءُ،﴾ أو في محل نصب على الاستثناء، والأول هو المختار، وأجيز اعتباره مستثنى من (الأزواج)، أو في محل جر بدلا من لفظه، أو في محل نصب بدلا من: (هنّ) على المحل، والجملة الفعلية بعدها صلتها، والعائد محذوف، التقدير:
إلا الذي ملكته يمينك. هذا؛ وأجاز مكي اعتبار: ﴿ما﴾ مصدرية، تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل نصب على الاستثناء، أو في محل رفع بدلا من النساء على حسب ما رأيت فيما تقدم.
﴿وَكانَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (كان): فعل ماض ناقص. ﴿اللهُ:﴾ اسمها. ﴿عَلى كُلِّ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿رَقِيباً﴾ بعدهما، و ﴿كُلِّ﴾ مضاف، و ﴿شَيْءٍ﴾ مضاف إليه. ﴿رَقِيباً:﴾ خبر:
(كان)، وجملة: ﴿وَكانَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلاّ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ وَلكِنْ إِذا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذلِكُمْ كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتاعاً فَسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَراءِ حِجابٍ ذلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذلِكُمْ كانَ عِنْدَ اللهِ عَظِيماً (٥٣)﴾
الشرح: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلاّ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ أي: إلا وقت أن يؤذن لكم، أو: إلا مأذونا لكم. ﴿إِلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ:﴾ غير منتظرين نضجه وإدراكه. ﴿وَلكِنْ إِذا دُعِيتُمْ:﴾ إلى الطعام، وأذن لكم في الدخول؛ فادخلوا غير مؤاخذ عليكم. ﴿فَإِذا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا:﴾ فاخرجوا، وتفرقوا، ولا تمكثوا. والآية خطاب لقوم كانوا يتحينون طعام رسول الله ﷺ، فيدخلون، ويقعدون منتظرين لإدراكه وهذا قبل أن تنزل آية الحجاب كما ستعرفه.
﴿وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ﴾ أي: لحديث بعضكم بعضا، أو لحديث أهل البيت بالتسمع له، وكانوا يجلسون بعد الطعام يتحدثون، فنهوا عن ذلك. ﴿إِنَّ ذلِكُمْ﴾ أي: القعود في البيت للتحدث بعد الطعام. ﴿كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ:﴾ لتضييق المنزل عليه، وعلى أهله، واشتغاله فيما لا يعنيه.
﴿فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ﴾ أي: أن يخرجكم. ﴿وَاللهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾ أي: لا يستحيي من
Juz 7, hlm. 518 ›
إخراجكم الذي هو الحق، ولا ينبغي أن يستحيا منه. ولما كان الحياء مما يمنع الحيي من بعض الأفعال؛ قيل: ﴿لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ،﴾ أي لا يمنع منه، ولا يتركه ترك الحيي منكم. هذا أدب أدب الله به الثقلاء، وعن عائشة-﵂-قالت: حسبك في الثقلاء أن الله تعالى لم يحتملهم، وقال: ﴿فَإِذا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا﴾. ﴿وَإِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتاعاً:﴾ وإذا سألتم نساء النبي ﷺ شيئا مما ينتفع به. ﴿فَسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَراءِ حِجابٍ﴾ أي: من وراء ستر، فبعد آية الحجاب لم يكن لأحد أن ينظر إلى امرأة من نساء النبي ﷺ منتقبة كانت، أو غير منتقبة.
هذا؛ وفيما تقدم المطابقة بين قوله: ادخلوا، وانتشروا، وبين الإيجاب والسلب في قوله تعالى: ﴿فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾ وهذا من المحسنات البديعية.
﴿ذلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ:﴾ من خواطر الشيطان، وعوارض الفتن، وكانت النساء قبل نزول هذه الآية يبرزن للرجال، وكان عمر-﵁-يحب ضرب الحجاب عليهن، ويود أن ينزل فيه، وقال: يا رسول الله! يدخل عليك البر والفاجر، فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب، فنزلت. وذكر أن بعضهم قال: أننهى أن نكلم بنات عمنا إلا من وراء حجاب لئن مات محمد لأتزوجن فلانة، فنزل قوله تعالى: ﴿وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللهِ..﴾. إلخ.
﴿إِنَّ ذلِكُمْ كانَ عِنْدَ اللهِ عَظِيماً﴾ أي: ذنبا عظيما، وهذا من إعلام تعظيم الله لرسوله ﷺ، وإيجاب حرمته حيا، وميتا، وإعلامه بذلك مما طيب نفسه، وسر قلبه، واستفرغ شكره، فإن من الناس من تفرط غيرته على حرمته حتى يتمنى لها الموت قبله لئلا تنكح غيره بعده، وانظر شرح:
﴿وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ﴾ في الآية رقم [٣٦].
وإنما حرمن على غيره ﷺ؛ لأنه حي في قبره، ورعاية لشرفه، ولأنهن أزواجه في الجنة، ولأنهن أمهات المؤمنين، ولأن المرأة في الجنة مع آخر أزواجها، ويرد على قوله: لأنه حي في قبره بقية الأنبياء، فإن أزواجهم يجوز لغيرهم من الأنبياء التزوج بهن مع أنهم أحياء في قبورهم، وكذا الشهداء يجوز لغيرهم التزوج بنسائهم مع أنهم أحياء، فالأولى الاقتصار على التعاليل اللاتي بعده، ونساء باقي الأنبياء يحرمن على غير الأنبياء.
تنبيه: قال أكثر المفسرين: نزلت الآية الكريمة في شأن وليمة زينب بنت جحش حين بنى بها رسول الله ﷺ. روى الشيخان عن أنس بن مالك-﵁-قال: كنت أعلم الناس بشأن الحجاب حين أنزل، وكان أول ما أنزل في بناء رسول الله ﷺ بزينب بنت جحش حين أصبح النبي ﷺ بها عروسا، فدعا القوم، فأصابوا من الطعام، ثم خرجوا، وبقي رهط عند النبي ﷺ، فأطالوا المكث فقام رسول الله ﷺ فخرج، وخرجت معه لكي يخرجوا، فمشى ومشيت معه حتى جاء عتبة حجرة عائشة-﵂-ثم ظن: أنهم قد خرجوا، فرجع، ورجعت معه، حتى إذا دخل على زينب؛ فإذا هم جلوس، لم يقوموا، فرجع، ورجعت معه؛
Juz 7, hlm. 519 ›
حتى إذا بلغ حجرة عائشة، وظن أنهم قد خرجوا، رجع، ورجعت معه، فإذا هم قد خرجوا، فدخل النبي ﷺ، وأرخى بيني، وبينه الستر، وأنزل الله آية الحجاب.
وروى الشيخان عن عائشة-﵂-أن أزواج النبي ﷺ كن يخرجن بالليل إذا تبرزن إلى المواضع الخالية لقضاء الحاجة من البول، والغائط، وكان عمر-﵁-يقول للنبي ﷺ: احجب نساءك، فلم يكن رسول الله ﷺ يفعل، فخرجت سودة بنت زمعة ليلة من الليالي عشاء، وكانت امرأة طويلة، فناداها عمر: ألا قد عرفناك يا سودة! حرصا على أن ينزل الحجاب، فأنزل الله تعالى آية الحجاب، وهذه الآية من جملة الآيات الأربع عشرة التي نزلت موافقة لرأي عمر ﵁، وقد بينتها في محالها.
هذا؛ والقائل: أننهى أن نكلم بنات عمنا... إلخ هو طلحة بن عبيد الله التيمي قريب أبي بكر، ﵁ وليس هو أحد العشرة المبشرين بالجنة، فحاشاه من هذا القول، وإنما القائل غيره، وقد وافق الاسم الاسم، والنسبة النسبة، واسم الأب اسم الأب موافقة. قال عبد الله بن عباس ﵄: وندم هذا الرجل على ما حدّث به نفسه، فمشى إلى مكة على رجليه. وحمل على عشرة أفراس في سبيل الله، وأعتق رقيقا، فكفر الله عنه. انتهى. قرطبي.
هذا؛ والحياء بالنسبة للإنسان: هو انقباض النفس من الشيء، وتركه خوفا من اللوم، وهو ملكة تمنع الإنسان من ارتكاب الرذائل، والحياء خير ما يتحلى به إنسان، فعن عبد الله بن عمر ﵄-قال: قال رسول الله ﷺ: «الحياء والإيمان قرنا جميعا، فإذا رفع أحدهما، رفع الآخر». وإذا ذهب الحياء من الإنسان؛ فقد ذهب منه كل خير، كما قال القائل: [الوافر] إذا لم تخش عاقبة اللّيالي... ولم تستح فاصنع ما تشاء
فلا وأبيك ما في العيش خير... ولا الدّنيا إذا ذهب الحياء
هذا؛ والحياء في حق الله تعالى المراد منه: الترك اللازم للانقباض، كما ورد في قول النبي ﷺ:
«إنّ الله حييّ كريم يستحيي إذا رفع الرجل يديه أن يردّهما صفرا خائبتين». رواه أبو داود، والترمذي عن سلمان الفارسي، ﵁. فالمراد منه: أنه سبحانه يعطي، ولا يمنع.
الإعراب: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ﴾ انظر الآية رقم [٤٩]. ﴿آمَنُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمتعلق محذوف، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿لا:﴾ ناهية، جازمة. ﴿تَدْخُلُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: ﴿لا،﴾ وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿بُيُوتَ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله عند بعض النحاة، وفي مقدمتهم سيبويه، والمحققون وعلى رأسهم الأخفش ينصبونه على التوسع في الكلام بإسقاط الخافض، لا على الظرفية، فهو منتصب عندهم انتصاب المفعول
Juz 7, hlm. 520 ›
Pembahasan ayat ini masih 2 halaman lagi. Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.