تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي
· ابن جرير الطبري
والصوابُ مِن القراءةِ في قولِه: ﴿بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ﴾ الرفعُ، غير جائزٍ غيره عندَنا، وذلك أن ﴿كُلُّهُنَّ﴾ ليس بنعتٍ للهاءِ في قولِه: ﴿آتَيْتَهُنَّ﴾. وإنما معنى الكلامِ: ويَرْضَيْن كلُّهن، فإنما هو توكيدٌ لما في ﴿وَيَرْضَيْنَ﴾ مِن ذكرِ النساءِ، فإذا جُعِل توكيدًا للهاءِ التي في ﴿آتَيْتَهُنَّ﴾ يَكُنْ له معنًى، والقراءةُ بنصبه غيرُ جائزةٍ لذلك، ولإجماعِ الحجة مِن القرأةِ على تخطِئِة قارئِه كذلك.
وقولُه: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ﴾. يقولُ: واللَّهُ يَعْلَمُ ما في قلوبِ الرجالِ مِن ميلِها إلى بعضِ مِن عندَه مِن النساءِ دونَ بعضٍ، بالهوى والمحبةِ؛ يقولُ: فلذلك وضَع عنك الحرجَ يا محمدُ فيما وَضِع عنك مِن ابتغاءِ مِن ابْتَغَيْتَ منهنَّ ممن عَزَلتَ؛ تفضُّلًا منه عليك بذلك وتكرمةً. ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا﴾. يقولُ: وكان اللهُ ذا علمٍ بأعمالِ عبادِه، وغيرِ ذلك مِن الأشياءِ كلِّها، ﴿حَلِيمًا﴾. يقولُ: ذا حِلْمٍ على عبادِه، أن يُعاجِلَ أهلَ الذنوبِ منهم بالعقوبةِ، ولكنه ذو حِلْمٍ وأَناةٍ عنهم؛ ليتوبَ مَن تاب منهم، ويُنيبَ مِن ذنوبه مَن أناب منهم.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا (٥٢)﴾.
اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: لا يحلُّ لك النساءُ مِن بعدِ نسائِك اللاتي خَيَّرْتهنَّ، فاختَرن الله ورسولَه والدارَ الآخرةِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن
Juz 19, hlm. 146 ›
أبيه، عن ابن عباسٍ قولِه: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ الآية إلى: ﴿رَقِيبًا﴾. قال: نهى رسولُ اللهِ ﷺ أن يتزوجَ بعدَ نسائِه الأوَلِ شيئًا (¬١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ إلى قولِه: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾. قال: لما خيَّرهن، فاخترْنَ اللَّهَ ورسولَه والدارَ الآخرةَ قصَره عليهن، فقال: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ﴾. وهُنَّ التسعُ اللاتى اخترْنَ اللَّهَ ورسولَه (¬٢).
وقال آخرون: إنما معنى ذلك: لا يحِلُّ لك النساءُ بعدَ التي أَحْلَلْنا لك بقولِنا: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ﴾ إلى قولِه: ﴿اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾. وكأن قائلى هذه المقالة وجَّهوا الكلامَ إلى أن معناه: لا يحِلُّ لك مِن النساءِ إلا التي أَحْلَلْناها لك.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا عبدُ الوهابِ، قال: ثنا داودُ، عن محمدِ بن أبي موسى، عن زيادٍ، قال لأبي بن كعبٍ: هل كان للنبيِّ ﷺ لو مات أزواجُه أن يتزوَّج؟ قال: ما كان يحرِّمُ عليه ذلك؟ فقرأتُ عليه هذه الآيةَ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ﴾. قال: فقال: أحلَّ له ضربًا مِن النساءِ، وحرَّم عليه ما سواهن، أحلَّ له كلَّ امرأةٍ أتى أجرها، وما ملكت يمينُه مما أفاء اللهُ عليه، وبناتِ عمِّه، وبناتِ عمّاتِه، وبناتِ خاله، وبناتِ خالاتِه، وكلَّ امرأةٍ وهَبت نفسَها له، إن
Juz 19, hlm. 147 ›
أراد أن يستنكحها، خالصةً له مِن دونِ المؤمنين.
حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن محمدِ بن أبى موسى، عن زيادٍ الأنصاريِّ، قال: قلت لأبيِّ بن كعبٍ: أرأيت لو مات نساءُ النبيِّ ﷺ، أكان يحلُّ له أن يتزوَّجَ؟ قال: وما يحرِّمُ ذلك عليه؟ قال: قلت: قولُه: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾. قال: إنما أحلَّ اللهُ له ضربًا مِن النساءِ (¬١).
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عليةَ، عن داودَ بن أبي هندٍ، قال: ثنى محمدُ بنُ أبي موسى، عن زيادٍ، رجلٍ مِن الأنصارِ، قال: قلت لأبي بن كعبٍ: أرأيتَ لو أن أزواجَ النبيِّ ﷺ تُوُفِّين، أما كان له أن يتزوَّجَ؟ فقال: وما يمنَعُه مِن ذلك؟ - وربما قال داودُ: وما يحرِّمُ عليه ذلك؟ - قلت: قولُه: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾. فقال: إنما أحلَّ اللهُ له ضربًا مِن النساءِ، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ﴾ إلى قولِه: ﴿إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾. ثم قيل له: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ (¬٢).
حدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا حكَّامُ بن سَلْمٍ، عَن عَنْبسَةَ، عَمِن ذَكَره، عن أبي صالحٍ: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾. قال: أُمِر أن لا يتزوَّجَ أعرابيةً ولا عربيَّةً (¬٣)، ويتزوَّجَ بعدُ مِن نساءِ تهامةَ، ومن شاء مِن بناتِ العمِّ والعمَّةِ، والخالِ والخالةِ، إن شاء ثلاثمائةٍ (¬٤).
Juz 19, hlm. 148 ›
Pembahasan ayat ini masih 8 halaman lagi. Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.