التفسير المنير - الزحيلي
· وهبة الزحيلي
الأمر بتقوى الله واتباع الوحي والتوكل على الله﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اِتَّقِ اللهَ وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً (١) وَاِتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً (٢) وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ وَكَفى بِاللهِ وَكِيلاً (٣)﴾
البلاغة:
﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ، وَكَفى بِاللهِ وَكِيلاً﴾ بينهما جناس اشتقاق.
المفردات اللغوية:
﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللهَ﴾ أي دم على تقواه، وليتق الله المؤمنون، بأسلوب يقصد به تنبيه بالأعلى وهو النبي على الأدنى وهم المؤمنون، فإنه تعالى إذا أمر رسوله بالتقوى، كان المؤمنون مأمورين بها بطريق الأولى أو أنه أمر قصد به الثبات والاستدامة على التقوى. ﴿وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ﴾ فيما يخالف شريعتك وأوامر ربك. ﴿إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً﴾ أي إن الله كان وما يزال عالما بكل شيء قبل وجوده، حكيما فيما يخلقه. ﴿وَاتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ أي القرآن. ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ﴾ وكل أمرك إلى تدبيره. ﴿وَكَفى بِاللهِ وَكِيلاً﴾ حافظا لك، موكولا إليه كل الأمور، والأمة تبع له في المذكور كله.
سبب النزول:
أخرج ابن جرير عن ابن عباس ﵄ قال: إن أهل مكة، ومنهم الوليد بن المغيرة، وشيبة بن ربيعة دعوا النبي ﷺ أن يرجع عن قوله، على أن يعطوه شطر أموالهم، وخوّفه المنافقون واليهود بالمدينة إن لم يرجع قتلوه، فنزلت الآيات.
Juz 21, hlm. 227 ›
وذكر الواحدي في أسباب النزول: أن الآيات نزلت في أبي سفيان وعكرمة بن أبي جهل وأبي الأعور السّلمي قدموا المدينة بعد قتال أحد، فنزلوا على عبد الله بن أبيّ (زعيم المنافقين) وقد أعطاهم النبي ﷺ الأمان على أن يكلموه، فقام معهم عبد الله بن سعد بن أبي سرح وطعمة بن أبيرق، فقالوا للنبي ﷺ، وعنده عمر بن الخطاب: ارفض ذكر آلهتنا اللات والعزّى ومناة، وقل: إن لها شفاعة ومنفعة لمن عبدها وندعك وربّك، فشقّ على النبي ﷺ قولهم، فقال عمر بن الخطاب ﵁: ائذن لنا يا رسول الله في قتلهم، فقال: «إني قد أعطيتهم الأمان» فقال عمر: اخرجوا في لعنة الله وغضبه، فأمر رسول الله ﷺ أن يخرجهم من المدينة، فأنزل الله ﷿ هذه الآية.
التفسير والبيان:
﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللهَ وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ، إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً﴾ أي يا أيها الرسول محمد، داوم على تقوى الله وخف عقابه بإطاعة أوامره واجتناب محارمه، ولا تسمع من الكافرين والمنافقين ولا تستشرهم في شيء، واحترس منهم، ولا تستجب لمطالبهم بتخصيص بعض المجالس والأوقات لهم وطرد الضعفاء، إن الله عليم بعواقب الأمور، حكيم في أقواله وأفعاله، فهو أحق أن تتبع أوامره وتطيعه، فإن أولئك الكفار أعداؤك الذين يريدون هلاكك.
وقوله: ﴿وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ﴾ نهي مؤكد لمضمون الأمر السابق، أي اتق الله تقوى تمنعك من طاعتهم.
روي أنه لما قدم رسول الله ﷺ المدينة، تابعه ناس من اليهود نفاقا، وكان يلين لهم جانبه، ويظهرون له النصح خداعا؛ فحذره الله منهم، ونبهه إلى عداوتهم.
وقال طلق بن حبيب: التقوى: أن تعمل بطاعة الله على نور من الله،
Juz 21, hlm. 228 ›
ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله، على نور من الله مخافة عذاب الله.
ثم أكد الله تعالى وجوب امتثال أوامر الله، فقال:
﴿وَاتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ، إِنَّ اللهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً﴾ أي اعمل بمقتضى الوحي المنزل إليك من ربك من قرآن وسنة، فإن الله لا تخفى عليه خافية، يعلم بدقة بواطن الأشياء وظواهرها، ثم يجازيكم عليها. وقوله: ﴿إِنَّ اللهَ كانَ.﴾. علة للأمر باتباع الوحي، وإشارة إلى أن التقوى ينبغي أن تكون عن صميم قلبك، لا تخفي في نفسك تقوى غير الله.
ثم أمر تعالى رسوله بعد التزام الأوامر بتفويض الأمور إلى الله وحده، فقال:
﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ، وَكَفى بِاللهِ وَكِيلاً﴾ أي فوض جميع أمورك وأحوالك إلى الله، وكفى به وكيلا لمن توكل عليه، وأناب إليه. والمقصود أن الله عاصمك وحسبك، فهو وحده جالب النفع لك، ودافع الضر عنك.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
١ - إيجاب التقوى والمداومة عليها ومتابعة طاعة الله أمر عام مفروض على جميع البشر، سواء أكانوا أنبياء ورسلا وملائكة أم غيرهم، إلا أن الأنبياء والملائكة المعصومين من المعصية يؤمرون بالتقوى تعليما وإرشادا لغيرهم، وتنبيها بالأعلى على الأدنى. ويلاحظ أن الله تعالى لم يخاطب نبيه محمدا ﷺ إلا بلفظ النبوة والرسالة: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ ﴿يا أَيُّهَا الرَّسُولُ﴾ ولم يخاطبه باسمه، تعظيما لشأنه، وإشادة بمقامه، وتعليما لنا للأدب معه، مع أنه تعالى خاطب الأنبياء بأسمائهم فقال: ﴿يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنّا﴾ [هود ٤٨/ ١١]
Juz 21, hlm. 229 ›
Pembahasan ayat ini masih 1 halaman lagi. Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.