تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي
· ابن جرير الطبري
للمقدارِ، والخروجِ منه.
وأما نحويو البصرةِ، فإنهم زعَموا أنه نَصَب الذهبَ لاشتغالِ (¬١) الملءِ (¬٢) بالأرضِ، ومجئِ الذهبِ بعدَهما، فصار نصبُها نظيرَ نصبِ الحالِ، وذلك أن الحالَ يَجِيءُ بعدَ فعلٍ قد شُغِل بفاعله فيُنْصَبُ، كما يُنْصَبُ المفعولُ الذي يأتى بعدَ الفعلِ الذي قد شُغِل بفاعلِه. قالوا: ونظيرُ قولِه: ﴿مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا﴾. في نَصْبِ الذهبِ في الكلامِ: لى مِثْلُك رجلًا. بمعنى: لى مِثْلُك من الرجالِ. وزعَموا أن نَصْبَ الرجلِ لاشتغالِ الإضافةِ بالاسمِ، فنُصِب كما يُنْصَبُ المفعولُ به؛ لاشتغالِ (¬٣) الفعلِ بالفاعلِ.
وأُدخِلَت الواوُ في قولِه: ﴿وَلَوِ افْتَدَى بِهِ﴾. لمحذوفٍ من الكلامِ بعدَه، دلَّ عليه دخولُ الواوِ، [كالواوِ في قولِه: ﴿وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾] (¬٤) [الأنعام: ٧٥]. وتأويلُ الكلامِ: وليكونَ من الموقنين (¬٥) أرَيْناه ملكوتَ السماواتِ والأرضِ. فكذلك ذلك في قولِه: ﴿وَلَوِ افْتَدَى بِهِ﴾. ولو لم يكنْ في الكلامِ واوٌ لكان الكلامُ صحيحًا، ولم يكنْ هناك متروكٌ، وكان: فلن يُقبلَ من أحدِهم ملءُ الأرضِ ذهبًا لو افتدي به.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ
Juz 5, hlm. 572 ›
فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٩٢)﴾.
يعنى بذلك جلّ ثناؤه: لن تُدْرِكوا أَيُّها المؤمنون البِرَّ، وهو البِرُّ من اللهِ الذي يَطْلُبونه منه بطاعتِهم إيّاه، وعبادتِهم له، ويَرْجونه منه، وذلك تَفَضُّلُه عليهم بإدخالِهم جنتَه، وصَرْفِ عذابِه عنهم. ولذلك قال كثيرٌ من أهلِ التأويلِ: البِرُّ الجنةُ؛ لأن بِرَّ الرَّبِّ بعبدِه في الآخرةِ إكرامُه (¬١) إيَّاه بإدخالِه الجنةَ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن شَرِيكٍ، عن أبي إسحاقَ، عن عمرِو بن ميمونٍ، في قولِه: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ﴾. قال: الجنةُ (¬٢).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا الحِمَّانيُّ، قال: ثنا شَرِيكٌ، عن أبي إسحاقَ، عن عمرِو بن ميمونٍ في قولِه: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ﴾. قال: البِرُّ الجنةُ.
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ﴾: أما البِرُّ فالجنةُ (¬٣).
فتأويلُ الكلامِ: لن تَنالوا أيُّها المؤمنون جنةَ ربِّكم ﴿حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾. يقولُ: حتى تَتَصَدَّقوا مما تُحِبُّون [وتَهْوَون] (¬٤) أن يكونَ لكم من نَفيسِ أموالِكم.
كما حدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لَنْ تَنَالُوا
Juz 5, hlm. 573 ›
الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾. يقولُ: لن تَنالوا [بِرَّ رَبِّكم] (¬١) حتى تُنْفِقوا مما يُعْجِبُكم، ومما تَهْوَوْن من أموالِكم (¬٢).
حدَّثني محمدُ بنُ سنانٍ، قال: ثنا أبو بكرٍ، عن عَبَّادٍ، عن الحسنِ قولَه: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾. قال: من المالِ.
وأما قولُه: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾. فإنه يعنى به: ومهما تُنْفِقوا من شيءٍ فتَتَصَدَّقوا به من أموالِكم، فإن الله تعالى ذكرُه بما يَتَصَدَّقُ به المُتَصَدِّقُ منكم، فيُنْفِقُه مما يُحِبُّ من مالِه في سبيلِ اللهِ، وغيرِ ذلك ﴿عَلِيمٌ﴾. يقولُ: هو ذو علمٍ بذلك كلِّه، لا يَعْزُبُ عنه شيءٌ منه، حتى يُجازِىَ صاحبَه عليه جزاءَه في الآخرةِ.
كما حدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾. يقولُ: محفوظٌ لكم ذلك، اللهُ به عليمٌ، شاكرٌ له (¬٣).
وبنحوِ التأويل الذي قلنا تأوَّل هذه الآيةَ جماعةٌ من الصحابةِ والتابعين.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ ﷿: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾. قال: كتب عمرُ بنُ الخطابِ إلى أبي موسى الأشعريِّ أن يَبْتاعَ له جاريةً من
Juz 5, hlm. 574 ›
Pembahasan ayat ini masih 2 halaman lagi. Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.