وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴿٤٩﴾
تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي
· ابن جرير الطبري
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾.
يعنى بقولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَرَسُولًا﴾: [ونَجْعَلُه رسولًا] (¬١) إلى بني إسرائيلَ.
فتُرِك ذكرُ "ونجعَلُه"؛ لدَلالةِ الكلامِ عليه، كما قال الشاعرُ (¬٢):
ورأيت زوجَكِ في الوَغَى … مُتَقَلِّدًا سيفًا ورُمْحًا
وقولُه: ﴿أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾. بمعنى: ونَجْعَلُه رسولًا إلى بنى إسرائيلَ [بأنه نبيِّى وبشيري ونذيرى] (¬٣)، وحجَّتي على صدقِي في (¬٤) ذلك ﴿أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾. يعنى: بعلامةٍ مِن ربِّكُم تُحَقِّقُ قولى، وتُصَدِّقُ خبرى أني رسولٌ مِن ربِّكم إليكم.
كما حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن محمدِ بن جعفرِ بن الزُّبَيرِ: ﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾. أي يُحَقِّقُ بها نبوَّتى، وأنى رسولٌ منه إليكم (¬٥).
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾.
يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: ورسولًا إلى بني إسرائيلَ أني قد جِئتُكم بآيةٍ مِن ربِّكم، ثم بيَّن عن الآيةِ ما هي، فقال: ﴿أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾.
Juz 5, hlm. 418 ›
فتأويلُ الكلامِ: ورسولًا إلى بني إسرائيلَ بأني قد جئْتُكم بآيةٍ مِن ربِّكم بأن أخْلُقَ لكم مِن الطينِ كهيئةِ الطيرِ.
والطيرُ جمعُ طائرٍ.
واختلَفت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأه بعضُ أهل الحجازِ: (كهيئةِ الطائرِ فأَنْفُخُ فيه فيَكُونُ طائرًا). على التوحيدِ (¬١).
وقرَأه آخرون: ﴿كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا﴾، على الجماعِ فيهما (¬٢).
وأعجب القراءاتِ إليَّ في ذلك قراءةُ مَن قرَأ: ﴿كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا﴾. على الجِماعِ فيهما جميعًا؛ لأن ذلك كان مِن صفةِ عيسى أنه يَفْعَلُ ذلك بإذنِ اللهِ، وأنه الموافقُ لخطِّ المصحفِ. واتِّباعُ خطِّ المصحفِ مع صحةِ المعنى واستِفاضة القراءةِ به، أعجبُ إليَّ مِن خلافِ المُصحفِ.
وكان خلقُ عيسى ما كان يَخْلُقُ مِن الطيرِ كما حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، قال: ثنا ابن إسحاقَ، أن عيسى صلواتُ اللهِ عليه جلَس يومًا مع غِلمانٍ مِن الكُتّابِ، فأَخَذ طينًا، ثم قال: أَجْعَلُ لكم مِن هذا الطينِ طائرًا؟ قالوا: وتَستطيعُ ذلك؟! قال: نعم بإذن ربي. ثم هيَّأَه حتى إذا جعَله في هيئةِ الطائرِ نفَخ فيه، ثم قال: كن طائرًا بإذنِ اللهِ. فخرَج يَطِيرُ بينَ كفَّيْهِ، فخرَج الغلمانُ بذلك مِن أمرِه، فذكَروه لمعلِّمِهم، فأفشَوه في الناسِ، وتَرَعْرَعَ، فهمَّت به بنو إسرائيلَ، فلمّا خافت أمُّه عليه، حُمَيِّرٍ على حُميِّرٍ لها، ثم خرَجت به هاربةً (¬٣).
Juz 5, hlm. 419 ›
وذُكر أنه لمّا أراد أن يَخْلُقَ الطيرَ من الطينِ سألهم: أيُّ الطيرِ أشدُ خلقًا؟ فقيل له: الخُفّاشُ.
كما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: قوله: ﴿كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا﴾. قال: أيُّ الطيرِ أَشدُّ خلقًا؟ قالوا: الخُفاشُ، إنما هو لحمٌ. قال: ففعَل (¬١).
فإن قال قائلٌ: وكيف قيل: ﴿فَأَنْفُخُ فِيهِ﴾ وقد قيل: ﴿أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْر﴾؟
قيل: لأن معنى الكلام: فأَنْفُخُ في الطيرِ. ولو كان ذلك: فأَنْفُخُ فيها. كان صحيحًا جائزًا، كما قال في المائدةِ: ﴿فَتَنْفُخُ فِيهَا﴾ [المائدة: ١١٠]. يريدُ: فتَنْفُخُ في الهيئةِ.
وقد ذُكِر أن ذلك في إحدى القراءتين: (فأنْفُخُها) بغير "في" (¬٢). وقد تَفْعَلُ العربُ مثلَ ذلك، فتقولُ: رُبَّ ليلةٍ قد بتُّها، وبتُّ فيها. قال الشاعرُ (¬٣):
ما شُقَّ جَيْبٌ ولا قامَتْكَ نائحةٌ … ولا بكَتْكَ جِيادٌ عندَ أَسْلابِ
بمعَنى: ولا قامت عليك. وكما قال آخَرُ:
إحدَى بَنِي عَيِّذِ اللهِ (¬٤) اسْتَمَرَّ بها … حُلْوُ العُصارةِ حتى يُنْفَخَ الصُّوَرُ
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ﴾.
يَعنى بقولِه: ﴿وَأُبْرِئُ﴾: وأَشْفِى. يُقالُ منه: أَبْرَأ اللهُ المريضَ [من مرضِه] (¬٥).
Juz 5, hlm. 420 ›
Pembahasan ayat ini masih 9 halaman lagi. Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.