تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه - الدرة
· محمد علي طه الدرة
له المسلم: يا نصراني! كان وجهها كوجه بنت عمران لما أتت بعيسى تحمله من غير زوج! فمهما اعتقدت في دينك من براءة مريم؛ اعتقدنا مثله في ديننا من براءة عائشة زوج نبينا! فانقطع النّصرانيّ، ولم يحر جوابا.
الإعراب: ﴿وَيُعَلِّمُهُ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿يُعَلِّمُهُ﴾): فعل مضارع، والفاعل يعود إلى:
(الله) والهاء مفعول به أول. ﴿الْكِتابَ:﴾ مفعول به ثان، والأسماء بعده معطوفة عليه، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل، ذكرت تطييبا لقلبها، وإزاحة لما همّها من خوف العتاب، واللوم لمّا علمت أنّها تلد من غير زوج. وقيل: معطوفة على: ﴿وَجِيهاً﴾ أي: فهي في محل نصب حال مثله، وارتضاه مكيّ، وعلى هذين الاعتبارين؛ فالآية السابقة معترضة بين المتعاطفين.
﴿وَرَسُولاً إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتى بِإِذْنِ اللهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٤٩)﴾
الشرح: ﴿وَرَسُولاً إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ أي: ونجعله رسولا إلى بني إسرائيل، وكان أول أنبياء بني إسرائيل يوسف بن يعقوب، وآخرهم عيسى، على نبينا، وعليهم جميعا ألف صلاة، وألف سلام.
وتخصيص بني إسرائيل بالذّكر لبيان: أنه أرسل إليهم خاصة، ولم تكن رسالته، كما في رسالة نبينا، وعظيمنا محمد ﷺ، فإنها كانت للإنس، والجنّ، والأبيض، والأسود، والعرب، والعجم.
﴿أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ أي: بعلامة على صدقي. والمراد: المعجزات التي أيده الله بها. ﴿أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ﴾ أي: أصور لكم؛ أي: لأجل هدايتكم، وتصديقكم بي. ﴿مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾ الهيئة: الصورة المهيّأة. من قولهم: هيأت الشيء: إذا قدّرته، وأصلحته. ﴿فَأَنْفُخُ فِيهِ﴾ أي: في الطين المصور. والضمير للكاف؛ أي: في ذلك الشيء المماثل لهيئة الطير.
﴿فَيَكُونُ طَيْراً:﴾ فيصير طيرا كسائر الطيور، وانظر شرح الطير في سورة (البقرة) رقم [٢٦٠].
﴿بِإِذْنِ اللهِ﴾ معناه: بتكوين الله، وتخليقه. والمعنى: أني أعمل هذا التصوير أنا، فأما خلق الحياة؛ فهو من الله تعالى على سبيل إظهار المعجزة على يد عيسى، ﵇، مثل نفخ جبريل، ﵇، في كمّ مريم، والصانع هو الله تعالى، قال وهب-رحمه الله تعالى-: كان الطائر الذي يصنعه يطير ما دام الناس ينظرون إليه، فإذا غاب عن أعينهم؛ سقط ميتا؛ ليتميّز فعل الخلق من فعل الله تعالى. وقيل: لم يخلق غير الخفاش؛ هذا الذي يطير في الليل. إنما خص الخفاش؛ لأنه من أكمل الطير خلقا؛ لأنه يطير بلا ريش، وله أسنان. ويقال: إنّ الأنثى منه لها ثدي، وتحيض، ولا تبيض، كما تبيض سائر الطيور، وإنما يلد كما يلد الحيوان.
Juz 2, hlm. 99 ›
﴿وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ﴾ وهو الذي يولد أعمى. ﴿وَالْأَبْرَصَ﴾ البرص: داء معروف، وهو بياض يظهر على جلد الإنسان ينفر منه الناس، فهو داء قبيح. ولم يقل في هذين: ﴿بِإِذْنِ اللهِ﴾ لأنهما ليس فيهما كبير غرابة بالنسبة لغيرهما من المعجزات، فتوهّم الألوهيّة فيهما بعيد، فلا يحتاج للتنبيه على نفيه.
﴿وَأُحْيِ الْمَوْتى بِإِذْنِ اللهِ:﴾ قال ابن عباس-﵄: قد أحيا أربعة أنفس: العاذر، وكان صديقا له، وابن العجوز، وابنة العاشر، وسام بن نوح. فأما عاذر؛ فإنه كان توفي قبل ذلك بأيام، فدعا الله، فقام بإذن الله، فعاش، وولد له. وأما ابن العجوز، فإنه مرّ به يحمل على سريره، فدعا الله، فقام، ولبس ثيابه، وحمل السّرير على عنقه، ورجع إلى أهله، وولد له. وأما ابنه العاشر؛ فكان أبوها يأخذ العشور من الناس، فكان أتى عليها ليلة، فدعا الله فعاشت، وولد لها، فلمّا رأوا ذلك؛ قالوا: إنّك تحيي من كان موته قريبا، فلعلّهم لم يموتوا، فأصابتهم سكتة، فأحي لنا سام بن نوح.
فقال لهم: دلّوني على قبره، فخرج، وخرج معه القوم؛ حتى انتهى إلى قبره، فدعا الله:
فخرج من قبره، وقد شاب رأسه، فقال له عيسى-﵇: كيف شاب رأسك؛ ولم يكن في زمانكم شيب؟ فقال: يا روح الله! إنك دعوتني، فسمعت صوتا يقول: أجب روح الله!
فظننت: أنّ القيامة قد قامت، فمن هول ذلك شاب رأسي، فسأله عن النّزع، فقال: يا روح الله، إن مرارة النزع لم تذهب من حنجرتي، وقد كان من وقت موته أكثر من أربعة آلاف سنة، فقال للقوم: صدّقوه، فإنّه نبي! فآمن به بعضهم، وكذّبه بعضهم، وقالوا: هذا سحر.
﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾ هذه معجزة أخرى؛ حيث كان يتكلّم بشيء من الغائب، فقد كان ﵊ يخبر الرّجل بما أكل البارحة، وبما يأكله اليوم، وبما يدّخر للعشاء. وقال سعيد بن جبير، وغيره: كان يخبر الصبيان في الكتّاب بما يدّخر آباؤهم؛ حتى منعوهم من الجلوس معه. ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ﴾ أي: في الذي ذكر من المعجزات. ﴿لَآيَةً لَكُمْ﴾ أي: لعلامة، ودلالة على صدق أنّي رسول من الله إليكم. ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ:﴾ مصدقين بذلك.
تنبيه: قال السّمين-رحمه الله تعالى-: قال تعالى في سورة (المائدة) رقم [١١٠]: ﴿بِإِذْنِي﴾ أربع مرات عقيب أربع جمل، وفي (آل عمران): ﴿بِإِذْنِ اللهِ﴾ مرّتين؛ لأن هناك أي: في آيات المائدة إخبار، فناسب الإيجاز، وهنا أي: في آيات (آل عمران) مقام تذكير بالنعمة، والامتنان، فناسب الإسهاب. انتهى بتصرف.
خاتمة: قال كثير من العلماء: بعث الله كلّ نبيّ من الأنبياء، وأيّده بمعجزة من جنس ما برع به قومه، فقد كان الغالب على زمان موسى ﵇ السّحر، وتعظيم السّحرة، فأيده الله بقلب العصا حيّة؛ حيث بهرت الأبصار، وحيّرت كل سحّار، فلما استيقن السّحرة: أنها من صنع
Juz 2, hlm. 100 ›
العظيم الجبار؛ انقادوا للإيمان، وصاروا من عباد الله الأبرار، وأما قوم عيسى؛ فقد برعوا في الطبّ، فجاءهم بما ذكر في هذه الآية من المعجزات. بما لا سبيل لأحد إليه؛ إلا أن يكون مؤيدا من ربّ الأرض، والسّماء، وأمّا قوم محمد ﷺ؛ فقد برعوا في الفصاحة، والبلاغة، ونظم الشعر، والسّجع، فأتاهم بكتاب من عند الله أخرسهم، وأسكتهم، وتحدّاهم بأن يأتوا بعشر سور، بل بسورة من مثله، فعجزوا، وأنّى يستطيعون، ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا؟! والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿وَرَسُولاً:﴾ معطوف على وجيها متضمنا معنى النّطق، فكأنّه قال: وناطقا بأنّي
إلخ، أو هو مفعول به ثان لفعل محذوف، التقدير: ويجعله رسولا، وتكون الجملة معطوفة على جملة: (﴿يُعَلِّمُهُ..﴾.) إلخ. ﴿إِلى بَنِي:﴾ جار ومجرور متعلقان ب (﴿رَسُولاً﴾) أو بمحذوف صفة له، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنّه ملحق بجمع المذكر السالم، وحذفت النون للإضافة، و ﴿بَنِي:﴾ مضاف، و ﴿إِسْرائِيلَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة الجر الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة. ﴿أَنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، وياء التكلم اسمه. ﴿قَدْ:﴾
حرف تحقيق يقرّب الماضي من الحال. ﴿جِئْتُكُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر: (أنّ). ﴿بِآيَةٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من تاء الفاعل، التقدير: جئتكم ملتبسا بآية. ﴿مِنْ رَبِّكُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة: (آية)، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، و (أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر محذوف عند الخليل، التقدير: بكوني... إلخ، والجار والمجرور متعلّقان ب (﴿رَسُولاً﴾) أو بمحذوف صفة له. وسيبويه يعتبره في محل نصب بنزع الخافض، وجوز أبو البقاء اعتباره في محل رفع خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: هو أني، ووجوها أخر غير جديرة بالاعتبار، والمصدر المؤول من: ﴿أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ﴾ فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه في محل جر بدلا من (آية). والثاني: أنه في محل رفع خبر لمبتدإ محذوف، التقدير:
هي أني. والثالث: أنه بدل من ﴿أَنِّي﴾ الأولى. وهذا هو الأقوى. هذا؛ ويقرأ بكسر الهمزة، فتكون الجملة اسمية، وهي مبتدأة، أو مستأنفة، لا محل لها. ﴿كَهَيْئَةِ:﴾ الكاف: اسم بمعنى:
مثل، مبني على الفتح في محل نصب مفعول به للفعل ﴿أَخْلُقُ﴾ والكاف مضاف، و (هيئة) مضاف إليه. هذا؛ ووقوع الكاف اسما بمعنى: مثل كثير في القرآن الكريم ذكرته في محاله، وهو وارد في الشعر العربي بكثرة، خذ قول العجّاج-وهو الشاهد رقم [٣٢٦] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»، والشاهد رقم [٤٦١] من كتابنا: «فتح رب البرية» -: [الرجز]
بيض ثلاث كنعاج جمّ... يضحكن عن كالبرد المنهمّ
﴿فَأَنْفُخُ:﴾ الفاء: حرف عطف. (أنفخ): فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: أنا.
﴿فِيهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿أَخْلُقُ..﴾.
Juz 2, hlm. 101 ›
Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.