تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه - الدرة
· محمد علي طه الدرة
﴿وَما أَصابَكُمْ يَوْمَ اِلْتَقَى الْجَمْعانِ فَبِإِذْنِ اللهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (١٦٦)﴾
الشرح: ﴿وَما أَصابَكُمْ:﴾ الخطاب للمؤمنين، والذي أصابهم: هو القتل، والجراح، والهزيمة. ﴿يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ:﴾ جمع المؤمنين، وجمع المشركين، وذلك ب «أحد» يوم أحد. ﴿فَبِإِذْنِ اللهِ﴾ أي: فبعلمه، وقضائه، وقدره، وحكمه، وحكمته. وفيه تسلية للمؤمنين بما حصل لهم يوم أحد من القتل، والهزيمة، ولا تقع التسلية إلا إذا علموا: أن ذلك كان واقعا بقضاء الله وقدره، فحينئذ يرضون بما قضى الله لهم، وعليهم. وانظر شرح (أصاب) في الآية رقم [١٥٦]: من سورة (البقرة).
الإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿ما﴾): اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿أَصابَكُمْ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (﴿ما﴾) وهو العائد، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿يَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله.
﴿اِلْتَقَى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدّر على الألف للتعذّر. ﴿الْجَمْعانِ:﴾ فاعله مرفوع، وعلامة رفعه الألف نيابة عن الضمة؛ لأنّه مثنّى، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة: ﴿يَوْمَ﴾ إليها. ﴿فَبِإِذْنِ:﴾ الفاء: صلة لتحسين اللفظ، وساغ ذلك لشبه الموصول بالشرط في العموم، (بإذن): متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر المبتدأ، و (إذن): مضاف، و ﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله. هذا؛ واعتبار (﴿ما﴾) شرطية غير مستبعد، وعليه فالفعل أصاب فعل شرطها، وهي مبتدأ، والجملة الاسمية: «فهو بإذن الله» في محل جزم جوابها، وخبرها مختلف فيه، كما ذكرته لك مرارا، والجملة على الاعتبارين اسمية، وهي معطوفة على ما قبلها، أو هي مستأنفة، لا محلّ لها على الاعتبارين.
﴿وَلِيَعْلَمَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل يعود إلى ﴿اللهِ﴾.
و «أن» المضمرة، والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جرّ باللام، والجار والمجرور معطوفان على معنى: (بإذن الله). عطف سبب على سبب. وقيل: متعلقان بمحذوف، التقدير:
وفعل ما أصابكم ليعلم... إلخ. والأول أولى. ﴿الْمُؤْمِنِينَ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنّون عوض من التنوين في الاسم المفرد.
﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَوِ اِدْفَعُوا قالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتالاً لاتَّبَعْناكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمانِ يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللهُ أَعْلَمُ بِما يَكْتُمُونَ (١٦٧)﴾
الشرح: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا﴾ المعنى: ليظهر إيمان المؤمنين بثباتهم على ما نالهم، ويظهر نفاق المنافقين بقلّة صبرهم على ما نزل بهم. فالمراد من العلم: المعلوم، والمراد: ليتبيّن
Juz 2, hlm. 301 ›
المؤمن من المنافق، وليتميّز أحدهما من الآخر، كقوله جلّ ذكره: ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ﴾ رقم [١٤١]. هذا؛ والنفاق: إظهار الإيمان، وإخفاء الكفر، وسمّي المنافق منافقا، أخذا من: نافقاء اليربوع، وهو جحره الذي يقيم فيه، فإنّه يجعل له بابين، ويدخل من أحدهما، ويخرج من الآخر، فكذلك المنافق يدخل مع المؤمنين بقوله: أنا مؤمن، ويدخل مع الكافرين بقوله: أنا كافر. وكان المنافقون في عهد الرسول ﷺ ثلاثمائة من الرجال، ومائة من النساء، هذا وقال تعالى في سورة (التوبة): ﴿الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ..﴾. إلخ.
هذا؛ وقد يتصف مؤمن بصفات المنافقين، فيكذب في القول، ويخلف في الوعد، ويخون في الأمانات، ويفجر في الخصومة، فهذا يقال له: نفاق العمل، وأمّا الأول؛ فيقال له: نفاق العقيدة، وهو أخبث من الكفر، وعقابه أشدّ منه، قال تعالى في سورة (النساء) رقم [١٤٥]: ﴿إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً﴾. وقد حذّر الرسول ﷺ من نفاق العمل، والاتصاف به، فإنّه يجرّ إلى نفاق العقيدة. وخذ ما يلي:
فعن أبي هريرة-﵁: أنّ رسول الله ﷺ قال: «آية المنافق ثلاث: إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان». رواه البخاريّ، ومسلم. وعن عبد الله بن عمرو بن العاص-﵁: أن النبي ﷺ قال: «أربع من كنّ فيه؛ كان منافقا خالصا، ومن كانت فيه خصلة منهنّ، كانت فيه خصلة من النّفاق؛ حتّى يدعها: إذا ائتمن خان، وإذا حدّث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر». رواه البخاريّ، ومسلم.
﴿وَقِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَوِ ادْفَعُوا:﴾ المقول له عبد الله بن أبيّ ابن سلول المنافق، وأصحابه، وذلك: أنّ رسول الله ﷺ لمّا خرج إلى أحد بألف رجل؛ حتى إذا كان بالشّوط بين أحد، والمدينة؛ انخذل عبد الله المنافق بثلث النّاس، وقال: ما ندري علام نقتل أنفسنا؟! فرجع بمن معه من المنافقين، فتبعهم عبد الله بن عمرو بن حرام أبو جابر-﵁، وهو يقول:
يا قوم! أذكّركم الله أن تخذلوا نبيّكم عند حضور عدوّه! تعالوا قاتلوا في سبيل الله-أي: لأجل دين الله وطاعته-أو ادفعوا عن أموالكم، وأهليكم! وقيل: معناه: تعالوا كثّروا سواد المسلمين؛ إن لم تقاتلوا، ليكون ذلك دفعا، وقمعا للعدو، فإنّ السّواد إذا كثر؛ حصل دفع العدو. قال أنس ﵁: رأيت يوم القادسية عبد الله ابن أمّ مكتوم الأعمى، وعليه درع يجرّ أطرافها.
وبيده راية سوداء، فقيل له: أليس قد أنزل الله عذرك؟ فقال: بلى، ولكنّي أكثّر سواد المسلمين بنفسي. ومعنى قوله-﵁: إن لم تقاتلوا في سبيل الله، فقاتلوا دفعا عن أنفسكم، وحريمكم. ألا ترى أنّ قزمان بن الحارث العبسي المنافق، قال: والله ما قاتلت إلا عن أحساب قومي، وقال فيه رسول الله ﷺ: «إنّ الله ليؤيّد هذا الدّين بالرّجل الفاجر».
Juz 2, hlm. 302 ›
﴿هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ﴾ أي: المنافقون في يوم أحد. ﴿أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمانِ﴾ أي: بينوا حالهم، وهتكوا أستارهم، وكشفوا عن كفرهم، ونفاقهم لمن كان يظنّ: أنهم مؤمنون، فصاروا أقرب إلى الكفر في ظاهر الحال، وإن كانوا كافرين على التّحقيق.
﴿يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ أي: يظهرون الإيمان بألسنتهم، ويضمرون الكفر في قلوبهم، وهذه صفة المنافقين، لا صفة المؤمنين. ﴿وَاللهُ أَعْلَمُ بِما يَكْتُمُونَ﴾ أي: يخفون، ويضمرون من الكفر، والنفاق. وانظر شرح: ﴿يَكْتُمُونَ﴾ في الآية رقم [٧١]
هذا؛ و ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ ظرف زمان مضاف لظرف آخر، والتنوين فيه ينوب عن جملة محذوفة، دلت عليها الغاية، فإنّ الأصل: يوم إذ جاءت قريش ورأوها. و (إذ) مضافة لهذه الجملة، فحذفت الجملة الفعلية، وعوّض عنها التنوين، وكسرت الذال لالتقاء الساكنين، كما كسرت في:
«صه، ومه» عند تنوينهما، ومثل ذلك قل في: «حينئذ، وساعتئذ» ونحو ذلك.
﴿وَلِيَعْلَمَ:﴾ إعرابه مثل إعراب ما قبله، والجار والمجرور الناتجان منه معطوفان على مثلهما، والفاعل مستتر، تقديره: هو يعود إلى: ﴿اللهِ﴾ أيضا. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب مفعول به. ﴿نافَقُوا:﴾ فعل وفاعل، والألف للتفريق، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها. (﴿قِيلَ﴾): فعل ماض مبني للمجهول. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلّقان بما قبلهما. وقيل: هما في محل رفع نائب فاعله. وقيل: نائب الفاعل ضمير مستتر، تقديره: هو، يعود إلى مصدر الفعل. ﴿تَعالَوْا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. وقيل: في محل رفع نائب فاعل: (﴿قِيلَ﴾)، وهذا على قول من يجيز وقوع الجملة فاعلا، ومفعولا، ويكون جاريا على القاعدة في بناء الفعل للمجهول: «يحذف الفاعل، ويقام المفعول به مقامه». وهذا لا غبار عليه. قال ابن هشام-﵀ في المغني-: فليس هذا من باب الإسناد إلى الجملة؛ لما بيّنا؛ أي: من أنّ الجملة إذا قصد لفظها، يحكم لها بحكم المفردات، فيجوز حينئذ وقوعها مبتدأ، وفاعلا، أو نائبا عنه، ومثّل لذلك في شذور بقول النبي ﷺ: «أفضل ما قلت أنا والنّبيّون من قبلي: لا إله إلاّ الله» انظر الشاهد رقم [٧٩٣] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»، تجد ما يسرّك، ويثلج صدرك.
﴿قاتِلُوا:﴾ فعل أمر، وفاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية مثل سابقتها في المحل، وإنما لم يكن بحرف العطف؛ لأنّه أراد أن يكون كلّ من الجملتين مقصودة بنفسها. وقيل: الثانية في محل نصب حال، ولا وجه له؛ لأنّها إنشائية. ﴿فِي سَبِيلِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، و ﴿سَبِيلِ:﴾
مضاف، و ﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه. ﴿أَوِ:﴾ حرف عطف. ﴿اِدْفَعُوا:﴾ فعل أمر، وفاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، وجملة: (﴿وَقِيلَ..﴾.) إلخ تحتمل العطف على جملة: ﴿نافَقُوا﴾ فتكون داخلة في حيز الموصول، وتحتمل الاستئناف.
Juz 2, hlm. 303 ›
Pembahasan ayat ini masih 1 halaman lagi. Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.