بعدها بمصدر في محل نصب مفعول به، التقدير: يعلم صنعكم. والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، أو هي مستأنفة. تأمل، وتدبر، والله أعلم، وأجل، وأعظم.
﴿وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلاّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلهُنا وَإِلهُكُمْ واحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (٤٦)﴾
الشرح ﴿وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ﴾ أي: لا تخاصموهم، والجدل شدة الخصومة، وهي مذمومة إلا عند الضرورة كما سيأتي، فعن أبي هريرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ:
«ما ضلّ قوم بعد هدى كانوا عليه إلاّ أوتوا الجدل» ثم قرأ: ﴿ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاّ جَدَلاً﴾. رواه الترمذي، وابن ماجة.
وعن أبي أمامة الباهلي-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ: «من ترك المراء وهو مبطل بني له بيت في ربض الجنّة، ومن تركه وهو محقّ بني له في وسطها، ومن حسّن خلقه بني له في أعلاها». رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة والبيهقي.
﴿إِلاّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ أي: بالخصلة التي هي أحسن للثواب، وهي: مقابلة الخشونة باللين، والغضب بالكظم، كما قال تعالى في آية أخرى: ﴿اِدْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾. ﴿إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ:﴾ فأفرطوا في الاعتداء والعناد، ولم يقبلوا النصح والإرشاد، ولم ينفع فيهم الرفق والسهولة، فاستعملوا معهم الغلظة. وقيل: إلا الذين آذوا رسول الله ﷺ بالقول، أو بالفعل. أو إلا الذين أثبتوا الولد والشريك لله، وقالوا: يد الله مغلولة، أو المعنى: ولا تجادلوا الداخلين في الذمة، المؤدين للجزية. ﴿إِلاّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا،﴾ فنبذوا الذمة، ومنعوا الجزية، فمجادلتهم بالسيف، والآية تدل على جواز المناظرة مع الكفرة في الدين، وعلى جواز تعلم علم الكلام الذي تتحقق به المجادلة.
﴿وَقُولُوا آمَنّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ:﴾ روى البخاري عن أبي هريرة-﵁ قال: كان أهل الكتاب يقرءون التوراة بالعبرانية، ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال رسول الله ﷺ: «لا تصدّقوا أهل الكتاب، ولا تكذّبوهم، وقولوا: آمنا بالذي... إلخ». وروى عبد الله بن مسعود-﵁-أن النبي ﷺ قال: «لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء فإنّهم لن يهدوكم وقد ضلّوا، إمّا أن تكذّبوا بحقّ، وإما أن تصدّقوا بباطل». وعن النبي ﷺ أنه قال:
«لا تصدّقوا أهل الكتاب، ولا تكذّبوهم، وقولوا آمنّا بالله وملائكته وبكتبه ورسله، فإن قالوا باطلا لم تصدّقوهم، وإن قالوا حقّا لم تكذّبوهم».
Juz 7, hlm. 196 ›
وفي البخاري عن حميد بن عبد الرحمن سمع معاوية يحدث رهطا من قريش بالمدينة، وذكر كعب الأحبار، فقال: إن كان من أصدق هؤلاء المحدثين الذين يحدثون عن أهل الكتاب، وإن كنا مع ذلك لنبلو عليه الكذب. ﴿وَإِلهُنا وَإِلهُكُمْ واحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ:﴾ مطيعون له خاصة. وفيه تعريض باتخاذهم أحبارهم، ورهبانهم أربابا من دون الله.
هذا وفحوى الآية قريب من قوله تعالى في سورة (البقرة): ﴿قُولُوا آمَنّا بِاللهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا..﴾.
إلخ رقم [١٣٦]. وقوله تعالى في سورة آل عمران: ﴿قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلاّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً..﴾. إلخ رقم [٦٤] والله أعلم بمراده وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف استئناف. (لا): ناهية جازمة. ﴿تُجادِلُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لا) الناهية، وعلامة جزمه حذف النون، لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿أَهْلَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و ﴿الْكِتابِ﴾ مضاف إليه. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿بِالَّتِي:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال مستثنى من عموم الأحوال؛ إذ المعنى:
ولا تجادلوا أهل الكتاب في حال من الأحوال إلا في حال مجادلتكم إياهم بالتي... إلخ.
﴿هِيَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿أَحْسَنُ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿إِلاّ:﴾ أداة استثناء. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب على الاستثناء من ﴿أَهْلَ الْكِتابِ،﴾ أو في محل نصب بدل منه.
﴿ظَلَمُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿مِنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة، وجملة: ﴿ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ صلة الموصول، لا محل لها، وجملة: (لا تجادلوا...) إلخ مستأنفة لا محل لها.
﴿وَقُولُوا:﴾ الواو: حرف عطف. (قولوا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿آمَنّا:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول.
﴿بِالَّذِي:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والموصول مبني على السكون في محل جر.
﴿أُنْزِلَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل مستتر تقديره هو يعود إلى الذي، وهو العائد. ﴿إِلَيْنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، وجملة: ﴿أُنْزِلَ إِلَيْنا﴾ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. هذا؛ وقال الكوفيون، والأخفش وتبعهم ابن مالك: إنّ اسما موصولا محذوفا هنا معطوفا على ما قبله، التقدير:
والذي أنزل إليكم. ومثل الآية قول حسان بن ثابت ﵁: [الوافر] أمن يهجو رسول الله منكم... ويمدحه وينصره سواء؟
التقدير: ومن يمدحه، وهذا هو الشاهد رقم [١٠٥٨] من كتابنا فتح القريب المجيب، ولولا هذا التقدير لفسد المعنى فسادا شنيعا؛ إذ يصير المادح هو الهاجي، وهو لا يصح، ومثله قول الآخر، وهو الشاهد التالي له من كتابنا المذكور: [الخفيف]
Juz 7, hlm. 197 ›
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.