تفسير ابن كثير - ط أولاد الشيخ
· ابن كثير
على أن يطأها، فلما قعد منها مقعد الرجل من امرأته، أرعِدَتْ وبكت، فقال: ما يبكيك، [أكْرَهْتُك] [¬١]؟ قالت: لا، ولكن هذا عمل لم أعمله قط، ولم إنما حملني عليه الحاجة. قال: فتفعلين هذا ولم تفعليه قط؟ فنزل فقال: اذهبي [فالدنانير] [¬٢] لك. ثم قال: والله لا يعصى الله الكفل أبدًا. فمات من ليلته، فأصبح مكتوبًا على بابه: قد غفر الله للكفل. هكذا وقع في هذه الرواية "الكفل" من غير إضافة، والله أعلم. وهذا الحديث لم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة وإسناده غريب، وعلى كل تقدير فلفظ الحديث إن كان "الكفل" ولم يقل: "ذو الكفل" فلعله رجل آخر، والله أعلم.
﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّينَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (٨٨)﴾
هذه القصة مذكورة ها هنا وفي سورة "الصافات" وفي سورة "نون"، وذلك أن يونس بن متى ﵇ بعثه الله إلى أهل قرية "نينوى" وهي قرية من أرض الموصل، فدعاهم إلى الله تعالى، فأبوا عليه وتمادوا على كفرهم، فخرج من بين أظهرهم مغاضبًا لهم، ووعدهم بالعذاب بعد ثلاث، فلما تحققوا منه ذلك، وعلموا أن النبي لا يكذب، خرجوا إلى الصحراء بأطفالهم وأنعامهم ومواشيهم، وفرقوا بين الأمهات وأولادها، ثم تضرعوا إلى الله ﷿، وجأروا إليه، ورغت الإِبل وفُصْلانها، وخارت البقر وأولادها، وثغت الغنم وحُمْلانها، فرفع الله عنهم العذاب، قال الله تعالى: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إلا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾، وأمَّا يونس ﵇ فإنه ذهب فركب مع قوم في سفينة فلججت بهم وخافوا أن [يغرقوا] [¬٣] فاقترعوا على رجل يلقونه من بينهم يتخففون منه، فوقعت القرعة على يونس، فأبوا أن يلقوه، ثم أعادوا القرعة فوقعت عليه أيضًا، فأَبوا، ثم أعادوها فوقعت عليه أيضًا، قال الله تعالى: ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾ أي: وقعت عليه القرعة، فقام يونس ﵇ وتجرد من ثيابه، ثم ألقى نفسه في البحر، وقد أرسل الله ﷾ من البحر الأخضر - فيما قال ابن مسعود - حوتًا يشق البحار، حتَّى جاء فالتقم يونس حين ألقى نفسه من السفينة، وأوحى الله إلى ذلك الحوت ألا تأكل له لحمًا، ولا تهشم له عظمًا، فإن يونس
Juz 9, hlm. 434 ›
ليس لك [رزقًا] [¬١]، وإنَّما بطنك تكون له سجنا.
وقوله: ﴿وَذَا النُّونِ﴾ يعني: الحوت، صحت الإضافة إليه بهذه النسبة.
ولوله ﴿إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا﴾ قال الضحاك: لقومه. ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيهِ﴾ أي: [نضيق عليه في بطن الحوت، يروى نحو هذا عن ابن عبَّاس ومجاهد والضحاك وغيره، واختاره ابن جرير، واستشهد عليه لقوله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾.
وقال: عطية العوفي: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيهِ﴾ أي:] [¬٢] نقضي عليه. كأنه جعل ذلك بمعنى التقدير، فإن العرب تقول قدر وقدّر بمعنى واحد، قال الشاعر:
فلا عائدٌ ذاك الزمانُ الذي مضى … [تباركت] [¬٣] ما تَقْدرْ يَكُن، فَلَكَ الأمر
ومنه قوله تعالى: ﴿فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ أي: قدَّر.
وقوله: ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾، قال ابن مسعود: ظلمة بطن الحوت، وظلمة البحر، وظلمة الليل. وكذا روي عن ابن عبَّاس، وعمرو بن ميمون، وسعيد بن جبير، ومحمد بن كعب، والضحاك، والحسن، وقَتَادة.
وقال سالم بن أبي الجعد: ظلمة حوت في كطن حوت في ظلمة البحر.
قال ابن مسعود وابن عبَّاس وغيرهما: وذلك أنَّه ذهب به الحوت في البحار يشقها، حتَّى انتهى به إلى قرار البحر، [حتَّى سمع] [¬٤] يونس تسبيح الحصى في قراره، فعند ذلك وهنالك قال: ﴿لَا إِلَهَ إلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ﴾.
وقال عوف: لما صار يونس في بطن الحوت، ظن أنَّه قد مات، ثم حرك رجليه، فلما تحركت سجد مكانه، ثم نادى: يا رب، اتخذت لك مسجدًا في موضع ما اتخذه أحد.
وقال سعيد بن الحسن البصري: مكث في بطن الحوت أربعين يومًا. [رواهما ابن جرير] [¬٥]. وقال محمد بن إسحاق بن يسار، عمن حدثه، عن عبد الله بن رافع -مولى أم سلمة- سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ: "لما أراد الله حبس
Juz 9, hlm. 435 ›
يونس في بطن الحوت، أوحى الله إلى الحوت أن [خذه] [¬١] ولا تخدش لحمًا ولا تكسر عظمًا، فلما انتهى به إلى أسفل البحر، سمع يونس حِسًّا، فقال في نفسه: ما هذا؛ فأوحى الله إليه وهو في بطن الحوت: إن هذا تسبيح دواب البحر. قال: فسبح وهو في بطن الحوت، [فسمعت] [¬٢] الملائكة تسبيحه فقالوا: يا ربنا، إنا نسمع [صوتًا] [¬٣] ضعيفًا [بأرض غريبة] [¬٤]؛ قال: ذلك عبدي يونس، عصاني فحبسته في بطن الحوت في البحر. قالوا: العبد الصالح الذي كان يصعد إليك منه في كل يوم وليلة عمل صالحًا قال: نعم. قال: فشفعوا له عند ذلك، فأمر الحوت فقذفه في الساحل، كما قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ سَقِيمٌ﴾ ".
رواه [¬٥] ابن جرير (¬٣٨)، ورواه البزار (¬٣٩) في مسنده، من طريق محمد بن إسحاق، عن عبد الله [بن] [¬٦] رافع، عن أبي هريرة، فذكره بنحوه، ثم قال: لا نعلمه وروى عن النبي ﷺ إلَّا من هذا الوجه بهذا الإسناد.
[وروى ابن عبد الحق [من] [¬٧] حديث شعبة عن عمرو بن مرة عن عبد الله بن [سلمة] [¬٨] عن علي مرفوعًا -: "لا ينبغي لعبد أن يقول: أنا خير من يونس بن متَّى، سبح [لله] [¬٩] في الظلمات".
وقد روي هذا الحديث بدون هذه الزِّيادة، من حديث ابن عبَّاس، وابن مسعود، وعبد الله بن جعفر، وسيأتي أسانيدها في سورة"ن"].
[وقال] [¬١٠] ابن أبي حاتم (¬٤٠): حدَّثنا أَبو [عبيد] [¬١١] الله أحمد بن عبد الرحمن بن أخي
Juz 9, hlm. 436 ›
Pembahasan ayat ini masih 1 halaman lagi. Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.