التفسير المنير - الزحيلي
· وهبة الزحيلي
ويظل المنع من رجوعهم إلى فتح سد يأجوج ومأجوج، وهم الناس جميعا، أو هم يأجوج ومأجوج، وهو الأظهر في رأي القرطبي، وإلى خروج الناس من قبورهم مقبلين من كل حدب (مرتفع من الأرض)، وذلك يحصل عند قيام الساعة (القيامة) وهذا دليل على إثبات النشر والحشر.
ثم أثبت الله تعالى البعث والجزاء بقوله: ﴿وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾ وما يتعرض له الكفار من أهوال وشدائد تشخص منها أبصارهم، أي ترتفع من هول القيامة لا تكاد تطرف، ويقولون: يا ويلنا ويا هلاكنا إنا كنا ظالمين بمعصيتنا، ووضعنا العبادة في غير موضعها.
أحوال الكافرين والمؤمنين في الآخرة وحال السماء فيها
﴿إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ (٩٨) لَوْ كانَ هؤُلاءِ آلِهَةً ما وَرَدُوها وَكُلٌّ فِيها خالِدُونَ (٩٩) لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَهُمْ فِيها لا يَسْمَعُونَ (١٠٠) إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ (١٠١) لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها وَهُمْ فِي مَا اِشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خالِدُونَ (١٠٢) لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (١٠٣) يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنا إِنّا كُنّا فاعِلِينَ (١٠٤) وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُونَ (١٠٥) إِنَّ فِي هذا لَبَلاغاً لِقَوْمٍ عابِدِينَ (١٠٦)﴾
Juz 17, hlm. 133 ›
الإعراب:
﴿كَطَيِّ السِّجِلِّ﴾ الكاف في موضع نصب؛ لأنها صفة مصدر محذوف، أي نطوي السماء طيّا كطي السجل، فحذف الموصوف وأقام صفته مقامه، والمصدر مضاف إلى المفعول إذا كان بمعنى المكتوب فيه وهو الصحيفة، أي كما يطوى السجل. وللكتاب: أي للكتابة، كقوله تعالى:
﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [آل عمران ٤٨/ ٣].
﴿وَعْداً عَلَيْنا﴾ منصوب بوعدنا المقدر قبله، وهو مؤكد لمضمون ما قبله.
البلاغة:
﴿نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾ فيه تشبيه مرسل مفصل، أي نطوي السماء طيا مثل طيّ الصحيفة على ما كتب فيها.
المفردات اللغوية:
﴿إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ أي إنكم أيها الكفار والمشركون وما تعبدونه من الأوثان من غير الله ﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ ما يرمى به إليها من حطب ووقود. ﴿وارِدُونَ﴾ داخلون فيها.
﴿لَوْ كانَ هؤُلاءِ آلِهَةً﴾ لو كان هؤلاء الأوثان آلهة كما زعمتم. ﴿ما وَرَدُوها﴾ دخلوها؛ لأن المؤاخذ المعذّب لا يكون إلها. ﴿وَكُلٌّ فِيها خالِدُونَ﴾ كل من العابدين والمعبودين خالدون دائمون في جهنم.
﴿لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ﴾ أي للعابدين في جهنم أنين وتنفس شديد يخرج من أقصى الجوف.
﴿لا يَسْمَعُونَ﴾ شيئا لشدة غليانها. ﴿الْحُسْنى﴾ المنزلة الحسنى أو الكلمة الحسنى التي تبشر بثوابهم الحسن على أعمالهم. ﴿حَسِيسَها﴾ صوتها الذي يحس من حركتها. ﴿وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ﴾ من النعيم. ﴿خالِدُونَ﴾ دائمون في غاية التنعم، وتقديم الظرف للاختصاص والاهتمام به. ﴿لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ﴾ النفخة الثانية أو الأخيرة؛ لقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ، فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ [النمل ٨٧/ ٢٧] وقيل: هو الانصراف إلى النار وهو أن يؤمر بالعبد إلى النار، وقيل: حين يطبق على النار، أو حين يذبح الموت على صورة كبش أملح. ﴿وَتَتَلَقّاهُمُ الْمَلائِكَةُ﴾ تستقبلهم الملائكة مهنئين عند خروجهم من القبور. ﴿هذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ أي ويقولون لهم: هذا اليوم الذي كنتم توعدون به في الدنيا.
﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ﴾ أي اذكر يوم الطي: وهو ضد النشر. ﴿السِّجِلِّ﴾ الصحيفة المكتوب فيها. ﴿لِلْكُتُبِ﴾ للكتابة فيها. ﴿كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ﴾ أي من عدم. ﴿نُعِيدُهُ﴾ بعد إعدامه. ﴿وَعْداً﴾ منصوب ب ﴿نُعِيدُهُ﴾، أو بفعل مقدر تأكيدا ل ﴿نُعِيدُهُ﴾ أي وعدناه وعدا. ﴿عَلَيْنا﴾ أي علينا إنجازه. ﴿إِنّا كُنّا فاعِلِينَ﴾ ما وعدنا ذلك لا محالة.
Juz 17, hlm. 134 ›
﴿الزَّبُورِ﴾ كتاب داود. ﴿الذِّكْرِ﴾ أي التوراة، أو جنس الكتب المنزلة، أو اللوح المحفوظ. ﴿أَنَّ الْأَرْضَ﴾ أرض الجنة. ﴿عِبادِيَ الصّالِحُونَ﴾ أي عامة المؤمنين أو كل صالح.
﴿إِنَّ فِي هذا﴾ القرآن أو ما ذكرناه من الأخبار والمواعظ والمواعيد. ﴿لَبَلاغاً﴾ كفاية في دخول الجنة. ﴿لِقَوْمٍ عابِدِينَ﴾ أي همهم العبادة دون العادة.
سبب النزول:
نزول الآية (١٠١):
﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى﴾: أخرج الحاكم عن ابن عباس قال:
لما نزلت: ﴿إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ، أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ﴾ قال ابن الزّبعرى: عبد الشمس والقمر والملائكة وعزير، فكل هؤلاء في النار مع آلهتنا، فنزلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ﴾ ونزلت: ﴿وَلَمّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ، وَقالُوا: أَآلِهَتُنا خَيْرٌ أَمْ هُوَ ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاّ جَدَلاً، بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف ٥٧/ ٤٣ - ٥٨].
المناسبة:
بعد بيان أحوال أهل النار وأهل الجنة، واقتراب الساعة، ذكر الله تعالى حال العابدين والمعبودين من دون الله، وأنهم سيكونون وقود جهنم، باستثناء أهل السعادة أو البشرى بالثواب.
التفسير والبيان:
﴿إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ.﴾. إنكم أيها المشركون بالله من عبدة الأصنام والأوثان وما تعبدون من غير الله، وقود جهنم، أنتم جميعا داخلون فيها، كما قال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا النّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النّاسُ وَالْحِجارَةُ﴾ [البقرة ٢٤/ ٢].
ويشمل ما يعبدون من دون الله الأصنام وإبليس وأعوانه؛ لأنهم بطاعتهم
Juz 17, hlm. 135 ›
Pembahasan ayat ini masih 6 halaman lagi. Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.