وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴿١٩٦﴾
تفسير القرطبي = الجامع لأحكام القرآن
· القرطبي
فِي أَعْلَى دَرَجَاتِ الشُّهَدَاءِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:" وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلى مَا أَصابَكَ إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ" «١» [لقمان: ١٧]. وَقَدْ رَوَى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: (أَفْضَلُ الشُّهَدَاءِ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَرَجُلٌ تَكَلَّمَ بِكَلِمَةِ حَقٍّ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ فَقَتَلَهُ). وَسَيَأْتِي الْقَوْلُ فِي هَذَا فِي [آلِ عِمْرَانَ] إِنْ شَاءَ تَعَالَى. الثَّالِثَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى:" وَأَحْسِنُوا" أَيْ فِي الْإِنْفَاقِ فِي الطَّاعَةِ، وَأَحْسِنُوا الظَّنَّ بِاللَّهِ فِي إِخْلَافِهِ عَلَيْكُمْ. وَقِيلَ: أَحْسِنُوا فِي أَعْمَالِكُمْ بِامْتِثَالِ الطَّاعَاتِ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ بَعْضِ الصحابة.
[سورة البقرة (٢): آية ١٩٦]
وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (١٩٦)
قَوْلُهُ تَعَالَى:" وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ" فِيهِ سَبْعُ مَسَائِلَ: الْأُولَى- اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْمَعْنَى الْمُرَادِ بِإِتْمَامِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ لِلَّهِ، فَقِيلَ: أَدَاؤُهُمَا والإتيان بهما، كقوله:" فَأَتَمَّهُنَّ" [البقرة: ١٢٤] وقوله:" ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ" [البقرة: ١٨٧] أَيِ ائْتُوا بِالصِّيَامِ، وَهَذَا عَلَى مَذْهَبِ مَنْ أَوْجَبَ الْعُمْرَةَ، عَلَى مَا يَأْتِي. وَمَنْ لَمْ يُوجِبْهَا قَالَ: الْمُرَادُ تَمَامُهُمَا بَعْدَ الشُّرُوعِ فِيهِمَا، فَإِنَّ مَنْ أَحْرَمَ بِنُسُكٍ وَجَبَ عَلَيْهِ الْمُضِيُّ فِيهِ وَلَا يَفْسَخُهُ، قَالَ مَعْنَاهُ الشَّعْبِيِّ وَابْنُ زَيْدٍ. وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁: إِتْمَامُهُمَا أَنْ تُحْرِمَ بِهِمَا مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِكَ. وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَفَعَلَهُ عِمْرَانُ بن حصين. وقال سفيان
Juz 2, hlm. 365 ›
الثوري: إتمامهما أن تحرج قَاصِدًا لَهُمَا لَا لِتِجَارَةٍ وَلَا لِغَيْرِ ذَلِكَ، وَيُقَوِّي هَذَا قَوْلُهُ" لِلَّهِ". وَقَالَ عُمَرُ: إِتْمَامُهُمَا أَنْ يُفْرِدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ غَيْرِ تَمَتُّعٍ وَقِرَانٍ، وَقَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: إِتْمَامُهُمَا أَلَّا تَسْتَحِلُّوا فِيهِمَا مَا لَا يَنْبَغِي لَكُمْ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا يُشْرِكُونَ فِي إِحْرَامِهِمْ فَيَقُولُونَ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ إِلَّا شَرِيكًا هُوَ لَكَ، تَمْلِكُهُ وَمَا مَلَكَ. فَقَالَ: فَأَتِمُّوهُمَا وَلَا تَخْلِطُوهُمَا بِشَيْءٍ آخَرَ. قُلْتُ: أَمَّا مَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَفَعَلَهُ عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ فِي الْإِحْرَامِ قَبْلَ الْمَوَاقِيتِ الَّتِي وَقَّتَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَدْ قَالَ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَجَمَاعَةٌ مِنَ السَّلَفِ، وَثَبَتَ أَنَّ عُمَرَ أَهَلَّ مِنْ إِيلِيَاءَ، وَكَانَ الْأَسْوَدُ وَعَلْقَمَةُ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ وَأَبُو إِسْحَاقَ يُحْرِمُونَ مِنْ بُيُوتِهِمْ، وَرَخَّصَ فِيهِ الشَّافِعِيُّ. وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ وَالدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (مَنْ أَحْرَمَ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ كَانَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمِ «١» وَلَدَتْهُ أُمُّهُ) فِي رِوَايَةٍ (غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ). وَخَرَّجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَقَالَ:" يَرْحَمُ اللَّهُ وَكِيعًا! أَحْرَمَ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، يَعْنِي إِلَى مَكَّةَ". فَفِي هَذَا إِجَازَةُ الْإِحْرَامِ قَبْلَ الْمِيقَاتِ. وَكَرِهَ مَالِكٌ ﵀ أَنْ يُحْرِمَ أَحَدٌ قَبْلَ الْمِيقَاتِ، وَيُرْوَى ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَأَنَّهُ أَنْكَرَ عَلَى عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ إِحْرَامَهُ مِنْ الْبَصْرَةِ. وَأَنْكَرَ عُثْمَانُ عَلَى ابْنِ «٢» عُمَرَ إِحْرَامَهُ قَبْلَ الميقات. وقل أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ: وَجْهُ الْعَمَلِ الْمَوَاقِيتُ، وَمِنَ الْحُجَّةِ لِهَذَا الْقَوْلِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَقَّتَ الْمَوَاقِيتَ وَعَيَّنَهَا، فَصَارَتْ بَيَانًا لِمُجْمَلِ الْحَجِّ، وَلَمْ يُحْرِمْ ﷺ مِنْ بَيْتِهِ لِحَجَّتِهِ، بَلْ أَحْرَمَ مِنْ مِيقَاتِهِ الَّذِي وَقَّتَهُ لِأُمَّتِهِ، وَمَا فَعَلَهُ ﷺ فَهُوَ الْأَفْضَلُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. وَكَذَلِكَ صَنَعَ جُمْهُورُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ بَعْدَهُمْ. وَاحْتَجَّ أَهْلُ الْمَقَالَةِ الْأُولَى بِأَنَّ ذَلِكَ أَفْضَلُ بِقَوْلِ عَائِشَةَ: مَا خُيِّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلَّا اخْتَارَ أَيْسَرَهُمَا، وَبِحَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ مَعَ مَا ذُكِرَ عَنِ الصَّحَابَةِ فِي ذَلِكَ، وَقَدْ شَهِدُوا إِحْرَامَ رسول الله
Juz 2, hlm. 366 ›
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ مِنْ مِيقَاتِهِ، وَعَرَفُوا مَغْزَاهُ وَمُرَادَهُ، وَعَلِمُوا أَنَّ إِحْرَامَهُ مِنْ مِيقَاتِهِ كَانَ تَيْسِيرًا عَلَى أُمَّتِهِ. الثَّانِيَةُ- رَوَى الْأَئِمَّةُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَقَّتَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ ذَا الْحُلَيْفَةِ «١»، وَلِأَهْلِ الشَّامِ الْجُحْفَةَ «٢»، وَلِأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنَ «٣»، وَلِأَهْلِ الْيَمَنِ يَلَمْلَمَ «٤»، هُنَّ لَهُنَّ وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ مِمَّنْ أَرَادَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ. وَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ فَمِنْ حَيْثُ أَنْشَأَ، حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ مِنْ مَكَّةَ يُهِلُّونَ مِنْهَا. وَأَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى الْقَوْلِ بِظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ وَاسْتِعْمَالِهِ، لَا يُخَالِفُونَ شَيْئًا مِنْهُ. وَاخْتَلَفُوا فِي مِيقَاتِ أَهْلِ الْعِرَاقِ وَفِيمَنْ وَقَّتَهُ، فَرَوَى أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَقَّتَ لِأَهْلِ الْمَشْرِقِ الْعَقِيقَ. قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَرُوِيَ أَنَّ عُمَرَ وَقَّتَ لِأَهْلِ الْعِرَاقِ ذَاتَ عِرْقٍ «٥». وَفِي كِتَابِ أَبِي دَاوُدَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَقَّتَ لِأَهْلِ الْعِرَاقِ ذَاتَ عِرْقٍ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ. وَمَنْ رَوَى أَنَّ عُمَرَ وَقَّتَهُ لِأَنَّ العراق في وقته افْتُتِحَتْ، فَغَفْلَةٌ مِنْهُ، بَلْ وَقَّتَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَمَا وَقَّتَ لِأَهْلِ الشَّامِ الْجُحْفَةَ. وَالشَّامُ كُلُّهَا يَوْمئِذٍ دَارُ كُفْرٍ كَمَا كَانَتْ الْعِرَاقُ وَغَيْرُهَا يَوْمئِذٍ مِنَ الْبُلْدَانِ، وَلَمْ تُفْتَحِ الْعِرَاقُ وَلَا الشَّامُ إِلَّا عَلَى عَهْدِ عُمَرَ، وَهَذَا مَا لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ أَهْلِ السِّيَرِ. قَالَ أَبُو عُمَرَ: كُلُّ عِرَاقِيٍّ أَوْ مَشْرِقِيِّ أَحْرَمَ مِنْ ذَاتِ عِرْقٍ فَقَدْ أَحْرَمَ عِنْدَ الْجَمِيعِ مِنْ مِيقَاتِهِ، وَالْعَقِيقُ أَحْوَطُ عِنْدِهِمْ وَأَوْلَى مِنْ ذَاتِ عِرْقٍ، وَذَاتُ عِرْقٍ مِيقَاتِهِمْ أَيْضًا بِإِجْمَاعٍ. الثَّالِثَةُ- أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ مَنْ أَحْرَمَ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ الْمِيقَاتَ أَنَّهُ مُحْرِمٌ، وَإِنَّمَا مَنَعَ مِنْ ذَلِكَ مَنْ رَأَى الْإِحْرَامَ عِنْدَ الْمِيقَاتِ أَفْضَلَ، كَرَاهِيَةَ أَنْ يُضَيِّقَ الْمَرْءُ عَلَى نَفْسِهِ مَا قَدْ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَأَنْ يَتَعَرَّضَ بِمَا لَا يُؤْمَنُ أَنْ يَحْدُثَ فِي إِحْرَامِهِ، وَكُلُّهُمْ أَلْزَمَهُ الْإِحْرَامَ إِذَا فَعَلَ ذَلِكَ، لِأَنَّهُ زَادَ ولم ينقص.
Juz 2, hlm. 367 ›
Pembahasan ayat ini masih 36 halaman lagi. Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.