تفسير ابن جزي التسهيل لعلوم التنزيل - ط طيبة الخضراء
· ابن جزي الكلبي
[﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٤٨) وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٤٩) وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٠) كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (١٥١) فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ (١٥٢)﴾].
﴿وَلِكُلٍّ﴾ أي: لكل أحد، أو لكل طائفة.
﴿وِجْهَةٌ﴾ أي: جهة، ولم تحذف الواو؛ لأنه ظرف مكان.
وقيل: إنه مصدر ثبتت فيه الواو على غير قياس.
﴿هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ أي: موليها وجهه.
وقرئ: ﴿مُوَلَّاهَا﴾ أي: ولاه الله إليها (¬١).
والمعنى: أن الله تعالى جعل لكل أمة قبلة.
﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ أي: بادروا إلى الأعمال الصالحة.
﴿يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ﴾ أي: يبعثكم من قبوركم.
﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ﴾ كُرّر تأكيدًا، أو ليناط به ما بعده.
﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ﴾ الآية؛ معناها: أن الصلاة إلى الكعبة ترفع
Juz 1, hlm. 372 ›
حجة المعترضين من الناس.
فإن أريد بالناس اليهود: فحجتهم أنهم يجدون في كتبهم أنَّ النبي ﷺ يصلي إلى الكعبة، فلما صلَّى إليها لم تبق لهم حجة على المسلمين.
وإن أريد (¬١) قريش: فحجتهم أنهم قالوا: قبلة آبائه أولى به.
﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أي: من يتكلم بغير حجة ويعترض التحوُّل إلى الكعبة.
والاستثناء متصل؛ لأنه استثناء من عموم الناس.
ويحتمل الانقطاع؛ على أن يكون استثناء ممن له حجة، فإن الذين ظلموا هم الذين ليس لهم حجة.
﴿وَلِأُتِمَّ﴾ متعلق بمحذوف؛ أي: فعلت ذلك لأتمَّ.
أو: معطوف على: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ﴾.
﴿كَمَا أَرْسَلْنَا﴾ متعلق:
بقوله: ﴿وَلِأُتِمَّ﴾.
أو بقوله: ﴿فَاذْكُرُونِي﴾.
والأول أظهر.
﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ قال سعيد بن المسيب: معناه: اذكروني بالطاعة أذكركم بالثواب.
Juz 1, hlm. 373 ›
وقيل: اذكروني بالدعاء والتسبيح ونحو ذلك.
وقد أكثر المفسّرون - لا سيما المتصوّفة - في تفسير هذا الموضع بألفاظ لها معانٍ مخصوصةٌ؛ ولا دليل على التخصيص.
وبالجملة: هذه الآية بيان لشرف الذكر، وبيّنها قولُ رسول الله ﷺ فيما يرويه عن ربه: «أنا عند ظنّ عبدي بي، وأنا معه حين يذكرني، إن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملإٍ ذكرته في ملإٍ خيرٍ منهم» (¬١).
والذكر ثلاثة أنواع: ذكر بالقلب، وباللسان، وبهما معًا.
واعلم أن الذكر أفضلُ الأعمال على الجملة، وإن ورد في بعض الأحاديث تفضيل غيره من الأعمال كالصلاة وغيرها؛ فإنَّ ذلك لما فيها من معنى الذكر والحضور مع الله تعالى.
والدليل على فضيلة الذكر من ثلاثة أوجه:
الأول: النصوص الواردة بتفضيله على سائر الأعمال، قال رسول الله ﷺ: «ألا أنبئكم بخير أعمالكم، وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إنفاق الذهب والورق، وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟» قالوا: بلى يا رسول الله، قال: «ذكر الله» (¬٢).
وسئل رسول الله ﷺ: أيُّ الأعمال أفضل؟ قال: «ذكر الله»، قيل: الذكر
Juz 1, hlm. 374 ›
Pembahasan ayat ini masih 3 halaman lagi. Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.