تفسير ابن كثير - ط أولاد الشيخ
· ابن كثير
[تفسير] سورة القارعة [وهي مكية]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿الْقَارِعَةُ (١) مَا الْقَارِعَةُ (٢) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ (٣) يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ (٤) وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ (٥) فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (٦) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٧) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (٨) فَأُمُّهُ هَاويَةٌ (٩) وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (١٠) نَارٌ حَامِيَةٌ (١١)﴾
﴿القارعة﴾: من أسماء يوم القيامة، كالحاقة، والطآمة، والصآخة، والغاشية وغير ذلك.
ثم قال معظمًا أمرها ومهولًا لشأنها: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ﴾، ثم فسر ذلك بقوله: ﴿يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ﴾، أي: في انتشارهم وتفرقهم، وذهابهم ومجيئهم، من حيرتهم مما هم فيه، كأنهم فراش مبثوث. كما قال في الآية الأخرى: ﴿كأنهم جراد منتشر﴾.
وقوله: ﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾، يعني: قد صارت كأنها الصوف المنفوش، الذي قد شرع في الذهاب والتمزق.
قال مجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، والحسن، وقتادة، وعطاء الخراساني، والضحاك، والسدي: ﴿الْعِهْنِ﴾: الصوف.
ثم أخبر تعالى عما يئول إليه عمل العاملين، وما يصيرون إليه من الكرامة أو الإِهانة، بحسب أعمالهم، فقال: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾، أي: رجحت حسناته على سَيئاته، ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾، يعني: في الجنة. ﴿وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ﴾، أي: رجحت سيئاته علي حسناته.
وقوله: ﴿فَأُمُّهُ هَاويَةٌ﴾، قيل: معناه: فهو ساقط هاو بأم رأسه في نار جهنم. وعبر عنه بأمه -يعني دماغه- روي نحو هذا عن ابن عباس، وعكرمة، وأبي صالح، وقتادة. قال: قتادة: يهوي في النار على رأسه. وكذا قال أبو صالح: يهوون في النار علي رءوسهم.
Juz 14, hlm. 438 ›
وقيل: معناه ﴿فَأُمُّهُ﴾ التي يرجع إليها، ويصير في المعاد إليها ﴿هَاويَةٌ﴾ وهي اسم من أسماء النار.
قال ابن جرير: وإنما قيل للَّهاوية: أمه؛ لأنه لا مأوي له غيرها.
وقال ابن زيد: الهاوية: النار، التي [¬١] هي أمه ومأواه التي يرجع إليها ويأوي إليها، وقرأ: ﴿ومأواهم النار﴾.
قال ابن أبي حاتم: وروي عن قتادة [¬٢] أنه قال: هي النار، وهي مأواهم؛ ولهذا قال تعالى مفسرًا للَّهاوية: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (١٠) نَارٌ حَامِيَةٌ﴾.
قال ابن جرير (¬١): حدثنا ابن عبد الأعلى: حدثنا ابن ثور، عن معمر، عن الأشعت بن عبد الله الأعمي؛ قال: إذا مات المؤمن ذهب بروحه إلي أرواح المؤمنين، فيقولون: روحوا أخاكم فإنه كان في غم الدنيا. قال: ويسألونه: ما فعل فلان؟ فيقول: مات، أو ما جاءكم؟ فيقولون: ذهب به إلي أمه الهاوية.
وقد رواه ابن مردويه من طريق أنس بن مالك مرفوعًا، بأبسط من هذا: وقد أوردناه في كتاب صفة النار، أجارنا الله منها بمنَّه وكرمه.
وقوله: ﴿نَارٌ حَامِيَةٌ﴾ أي: حارة شديدة الحر، قوية اللَّهيب [¬٣]، والسعير.
قال أبو مصعب، عن مالك (¬٢)، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة: إن النبي ﷺ؛ قال: "نار بني آدم التي توقدون جزء من سبعين جزءًا من نار جهنم". قالوا: يا رسول الله؛ إن كانت لكافية؟ فقال: "إنها فضلت عليها بتسعة وستين جزءًا".
ورواه البخاري، عن إسماعيل بن أبي أويس، عن مالك. ورواه مسلم عن قتيبة، عن المغيرة بن عبد الرحمن، عن أبي الزناد به. وفي بعض ألفاظه: "إنها فضلت عليها بتسعة وستين جزءًا، كلهن مثل حرها".
Juz 14, hlm. 439 ›
وقال الإِمام أحمد (¬٣): حدثنا عبد الرحمن، حدثنا حماد وهو ابن [¬١] سلمة، عن محمد بن زياد سمع أبا هريرة؛ يقول: سمعت أبا القاسم ﷺ؛ يقول: "نار [بني آدم] [¬٢] التي توقدون، جزء من سبعين جزءًا من نار جهنم". فقال رجل: إن كانت لكافية؟ فقال: "لقد فضلت عليها بتسعة وستين جزءًا حرًّا فحرًّا". تفرد به أحمد من هذا الوجه، وهو علي شرط مسلم.
وقال الإِمام أحمد أيضًا (¬٤): حدثنا سفيان، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ وعمرو، عن يحيى بن جعدة "إن ناركم هذه جزء من سبعين جزءًا من نار جهنم، [وضربت بالبحر] [¬٣] مرتين، ولولا ذلك ما جعل الله فيها منفعة لأحد".
وهذا على شرط الصحة، ولم يخرجوه من هذا الوجه. وقد رواه مسلم في صحيحه من طريق [ … ] [¬٤]
ورواه البزار من حديث عبد الله بن مسعود، وأبي سعيد الخدري: "ناركم هذه جزء [¬٥] من سبعين جزءًا".
وقد قال الإِمام أحمد (¬٥): حدثنا قتيبة، حدثنا عبد العزيز -هو ابن محمد الدراوردي- عن سهيل [¬٦] عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ؛ قال: "هذه النار جزء، من مائة جزء من جهنم". تفرد به أيضًا من هذا الوجه، وهو علي شرط مسلم أيضًا.
وقال أبو القاسم الطبراني (¬٦): حدثنا أحمد بن عمرو الخلال، حدثنا إبراهيم بن المنذر [الحزامي]، حدثنا معن بن عيسى القزاز، عن مالك، عن عمه [¬٧] أبي سهيل، عن أبيه، عن
Juz 14, hlm. 440 ›
Pembahasan ayat ini masih 1 halaman lagi. Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.