التفسير المنير - الزحيلي
· وهبة الزحيلي
بالحق نبيا، لا أزيد عليها أبدا، ثم أدبر الرجل، فقال رسول الله ﷺ: أفلح الرويجل، أفلح الرويجل، ثم قال: عليّ به، فجاءه، فقال له:
أمرت بيوم الأضحى، جعله الله عيدا لهذه الأمة، فقال له الرجل: أرأيت إن لم أجد إلا منيحة أنثى، فأضحّي بها؟ قال: لا (¬١)، ولكنك تأخذ من شعرك، وتقلّم أظفارك، وتقص شاربك، وتحلق عانتك، فذاك تمام أضحيتك عند الله ﷿».
وأخرج الترمذي-وقال: هذا حديث حسن-عن أنس بن مالك: «أن رسول الله ﷺ قال لرجل من أصحابه: هل تزوجت يا فلان؟ قال: لا والله يا رسول الله، ولا عندي ما أتزوج!! قال: أليس معك: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾؟ قال: بلى، قال: ثلث القرآن، قال: أليس معك: ﴿إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ﴾؟ قال: بلى، قال: ربع القرآن، قال: أليس معك: ﴿قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ﴾؟ قال: بلى، قال: ربع القرآن، قال: أليس معك: ﴿إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ﴾؟ قال: بلى، قال: ربع القرآن، تزوج».
أمارة القيامة والجزاء على الخير والشر
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها (١) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها (٢) وَقالَ الْإِنْسانُ ما لَها (٣) يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبارَها (٤) بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها (٥) يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النّاسُ أَشْتاتاً لِيُرَوْا أَعْمالَهُمْ (٦) فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾
Juz 30, hlm. 357 ›
الإعراب:
﴿إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها﴾ ﴿إِذا﴾ ظرف، والعامل فيه إما ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ﴾ أو ﴿تُحَدِّثُ﴾ ويكون ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ تكرارا وبدلا من ﴿إِذا﴾، وتقديره: إذا زلزلت الأرض تحدث أخبارها. و ﴿زِلْزالَها﴾: منصوب على المصدر، بكسر الزاي الأولى، ولو فتح لكان اسما، وقيل:
هو بالفتح أيضا مصدر.
﴿أَشْتاتاً﴾ منصوب على الحال من ﴿النّاسُ﴾ جمع (شتّ) وهو المتفرق.
﴿فَمَنْ يَعْمَلْ.﴾. ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ.﴾. من في الموضعين: شرطية في موضع رفع بالابتداء.
و ﴿يَرَهُ﴾: خبره.
البلاغة:
﴿زِلْزالَها﴾ الإضافة للتهويل. و ﴿زُلْزِلَتِ﴾ ﴿زِلْزالَها﴾ بينهما جناس الاشتقاق.
﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ﴾ إظهار في مقام الإضمار لزيادة التقرير والتوكيد.
﴿وَقالَ الْإِنْسانُ: ما لَها﴾؟ استفهام للتعجب والاستغراب أو الاستهجان.
﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ﴾ ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ بينهما مقابلة.
﴿زِلْزالَها﴾، ﴿أَثْقالَها﴾، ﴿أَوْحى لَها﴾، ﴿أَخْبارَها﴾، ﴿ما لَها﴾ سجع مرصع من المحسنات البديعية.
﴿أَوْحى لَها﴾ تضمين، ضمن ذلك معنى الإذن والأمر لها.
المفردات اللغوية:
﴿زُلْزِلَتِ﴾ الزلزال: التحريك والاضطراب الشديدان، وذلك يحصل عند النفخة الأولى أو الثانية أو الممكّن لها في الحكمة الإلهية. ﴿أَثْقالَها﴾ الأثقال في الأصل: أمتعة البيت، كما قال تعالى: ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ.﴾. [النحل ٧/ ١٦] جمع ثقل: متاع البيت، والمراد هنا: ما في جوف الأرض من الكنوز والدفائن والأموات، وتخرج أثقالها: تلقيها على ظهرها. ﴿وَقالَ الْإِنْسانُ:﴾
﴿ما لَها﴾ يتساءل الإنسان عما يبهره من الأمر الفظيع وإنكارا لتلك الحالة، وقيل: المراد بالإنسان:
الكافر بالبعث، فإن المؤمن يعلم ما لها. ﴿تُحَدِّثُ أَخْبارَها﴾ تخبر بما عمل عليها من خير وشر.
وهي تحدّث الخلق إما بلسان الحال وهو ما لأجله زلزالها وإخراجها، أو ينطقها الله فتخبر بما عمل عليها. وهو جواب ﴿إِذا﴾
جاء في الحديث الذي أخرجه أحمد والترمذي عن أبي هريرة: «تشهد على كل عبد أو أمة بكل ما عمل على ظهرها».
Juz 30, hlm. 358 ›
﴿بِأَنَّ رَبَّكَ﴾ أي تحدّث بسبب أن ربك ﴿أَوْحى لَها﴾ أمرها بذلك، والوحي: الإلهام بخفاء، يقال: أوحى له وإليه، ووحي له وإليه: كلّمه خفية أو ألهمه. ﴿يَصْدُرُ النّاسُ﴾ يخرجون من قبورهم إلى موقف الحساب. ﴿أَشْتاتاً﴾ متفرقين متمايزين بحسب مراتبهم وأعمالهم.
﴿لِيُرَوْا أَعْمالَهُمْ﴾ يروا جزاء أعمالهم من الجنة أو النار، ﴿ذَرَّةٍ﴾ الذرة: الهباء الذي يرى في ضوء الشمس الداخل من نافذة، أو النملة الصغيرة، و ﴿مِثْقالَ ذَرَّةٍ﴾ زنة نملة أو هباء، وهو مثل في الصغر. ﴿خَيْراً يَرَهُ﴾ يرى ثوابه. ﴿شَرًّا يَرَهُ﴾ يرى جزاءه. وقوله: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ.﴾.
تفصيل ﴿لِيُرَوْا﴾.
سبب النزول:
نزول الآية (٨، ٧):
﴿فَمَنْ يَعْمَلْ.﴾.: أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: لما نزلت: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ﴾ الآية، كان المسلمون يرون أنهم لا يؤجرون على الشيء القليل، إذا أعطوه، وكان آخرون يرون أنهم لا يلامون على الذنب اليسير: الكذبة، والنظرة، والغيبة، وأشباه ذلك، ويقولون: إنما وعد الله النار على الكبائر، فأنزل الله: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾.
وقد سمّى رسول الله ﷺ هذه الآية: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ.﴾.
الجامعة الفاذّة، حين سئل عن زكاة الحمر،
فقال فيما أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة: «ما أنزل الله فيها شيئا إلا هذه الآية الفاذّة الجامعة: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ (¬١)».
وقال مقاتل: نزلت هذه الآية في رجلين، وذلك أنه لما نزل:
﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ﴾ كان أحدهما يأتيه السائل، فيسأل أن يعطيه التمرة والكسرة والجوزة، ويقول: ما هذا بشيء، وإنما نؤجر على ما نعطي.
Juz 30, hlm. 359 ›
Pembahasan ayat ini masih 6 halaman lagi. Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.