Lewati ke konten

QS. Al-Anfal: 55 الأنفال

إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴿٥٥﴾

Tafsir

Kitab tafsir lain (27)

تفسير ابن عاشور التحرير والتنوير · ابن عاشور

وأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ: بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً أَيْ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُضْمِرُهُ النَّاسُ وَمَا يَعْمَلُونَهُ وَيَعْلَمُ مَا يَنْطِقُونَ بِهِ فَهُوَ يُعَامِلُهُمْ بِمَا يَعْلَمُ مِنْهُمْ. وَذِكْرُ صِفَةِ سَمِيعٌ قَبْلَ صِفَةِ عَلِيمٌ يُومِئُ إِلَى أَنَّ التَّغْيِيرَ الَّذِي أَحْدَثَهُ الْمُعَرَّضُ بِهِمْ مُتَعَلِّقٌ بِأَقْوَالِهِمْ وَهُوَ دَعْوَتُهُمْ آلِهَةً غَيْرَ الله تَعَالَى.

[٥٤]

[سُورَة الْأَنْفَال (٨) : آيَة ٥٤]

كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كانُوا ظالِمِينَ (٥٤)

تَكْرِيرٌ لِقَوْلِهِ: كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ الْمَذْكُورِ قَبْلَهُ لِقَصْدِ التَّأْكِيدِ وَالتَّسْمِيعِ، تَقْرِيرٌ لِلْإِنْذَارِ وَالتَّهْدِيدِ، وَخُولِفَ بَيْنَ الْجُمْلَتَيْنِ تَفَنُّنًا فِي الْأُسْلُوبِ، وَزِيَادَةً لِلْفَائِدَةِ، بِذِكْرِ التَّكْذِيبِ هُنَا بَعْدَ ذِكْرِ الْكُفْرِ هُنَاكَ، وَهُمَا سَبَبَانِ لِلْأَخْذِ وَالْإِهْلَاكِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ آنِفًا.

وَذِكْرُ وَصْفِ الرُّبُوبِيَّةِ هُنَا دُونَ الِاسْمِ الْعَلَمِ لِزِيَادَةِ تَفْظِيعِ تَكْذِيبِهِمْ، لِأَنَّ الِاجْتِرَاءَ عَلَى اللَّهِ مَعَ مُلَاحَظَةِ كَوْنِهِ رَبًّا لِلْمُجْتَرِئِ، يَزِيدُ جَرَاءَتَهُ قُبْحًا لِإِشْعَارِهِ بِأَنَّهَا جَرَاءَةٌ فِي مَوْضِعِ الشُّكْرِ، لِأَنَّ الرَّبَّ يَسْتَحِقُّ الشُّكْرَ.

وَعُبِّرَ بِالْإِهْلَاكِ عِوَضَ الْأَخْذِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ لِيُفَسِّرَ الْأَخْذَ بِأَنَّهُ آلَ إِلَى الْإِهْلَاكِ، وَزِيدَ

الْإِهْلَاكُ بَيَانًا بِالنِّسْبَةِ إِلَى آلِ فِرْعَوْنَ بِأَنَّهُ إِهْلَاكُ الْغَرَقِ.

وَتَنْوِينُ كُلٌّ لِلتَّعْوِيضِ عَنِ الْمُضَافِ إِلَيْهِ، أَيْ: وَكُلُّ الْمَذْكُورِينَ، أَيْ آلُ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ من قبلهم.

[٥٥- ٥٧]

[سُورَة الْأَنْفَال (٨) : الْآيَات ٥٥ إِلَى ٥٧]

إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٥٥) الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ (٥٦) فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (٥٧)

اسْتِئْنَافٌ ابْتِدَائِيٌّ انْتَقَلَ بِهِ مِنَ الْكَلَامِ عَلَى عُمُومِ الْمُشْرِكِينَ إِلَى ذِكْرِ كُفَّارٍ آخَرِينَ هُمُ الَّذِينَ بَيَّنَهُمْ بِقَوْلِهِ: الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ الْآيَةَ. وَهَؤُلَاءِ عَاهَدُوا

Juz 10, hlm. 46 ›

النَّبِيءَ ﷺ، وَهُمْ عَلَى كُفْرِهِمْ، ثُمَّ نَقَضُوا عَهْدَهُمْ، وَهُمْ مُسْتَمِرُّونَ عَلَى الْكُفْرِ، وإنّما وَصفهم ب شَرَّ الدَّوَابِّ لِأَنَّ دَعْوَةَ الْإِسْلَامِ أَظْهَرُ مِنْ دَعْوَةِ الْأَدْيَانِ السَّابِقَةِ، وَمُعْجِزَةَ الرَّسُولِ ﷺ أَسْطَعُ، وَلِأَنَّ الدَّلَالَةَ عَلَى أَحَقِّيَّةِ الْإِسْلَامِ دَلَالَةٌ عَقْلِيَّةٌ بَيِّنَةٌ، فَمَنْ يَجْحَدُهُ فَهُوَ أَشْبَهُ بِمَا لَا عَقْلَ لَهُ، وَقَدِ انْدَرَجَ الْفَرِيقَانِ مِنَ الْكُفَّارِ فِي جِنْسِ شَرَّ الدَّوَابِّ.

وَتَقَدَّمَ آنِفًا الْكَلَامُ عَلَى نَظِيرِ قَوْلِهِ: إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ [الْأَنْفَال:

٢٢] الْآيَةَ.

وَتَعْرِيفُ الْمُسْنَدِ بِالْمَوْصُولِيَّةِ لِلْإِيمَاءِ إِلَى وَجْهِ بِنَاءِ الْخَبَرِ عَنْهُمْ بِأَنَّهُمْ شَرُّ الدَّوَابِّ.

وَالْفَاءُ فِي فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ عَطَفَتْ صِلَةً عَلَى صِلَةٍ، فَأَفَادَتْ أَنَّ الْجُمْلَةَ الثَّانِيَةَ مِنَ الصِّلَةِ، وَأَنَّهَا تَمَامُ الصِّلَةِ الْمَقْصُودَةِ لِلْإِيمَاءِ، أَيْ: الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلِ الْإِسْلَامِ فَاسْتَمَرَّ كُفْرُهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ بَعْدَ سَمَاعِ دَعْوَةِ الْإِسْلَامِ. وَلَمَّا كَانَ هَذَا الْوَصْفُ هُوَ الَّذِي جَعَلَهُمْ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ عَطَفَ هُنَا بِالْفَاءِ لِلْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّ سَبَبَ إِجْرَاءِ ذَلِكَ الْحُكْمِ عَلَيْهِمْ هُوَ مَجْمُوعُ الْوَصْفَيْنِ، وَأَتَى بِصِلَةِ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ جُمْلَةً اسْمِيَّةً لِإِفَادَةِ ثُبُوتِ عَدَمِ إِيمَانِهِمْ وَأَنَّهُمْ غَيْرُ مَرْجُوٍّ مِنْهُمُ الْإِيمَانُ.

فَإِنَّ تَقْدِيمَ الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ عَلَى الْخَبَرِ الْفِعْلِيِّ الْمَنْفِيِّ مَعَ عَدَمِ إِيلَاءِ الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ حَرْفَ النَّفْيِ، لِقَصْدِ إِفَادَةِ تَقْوِيَةِ نَفْيِ الْإِيمَانِ عَنْهُمْ، أَيِ الَّذِينَ يَنْتَفِي الْإِيمَانُ مِنْهُمْ فِي الْمُسْتَقْبَلِ انْتِفَاءً قَوِيًّا فَهُمْ بُعَدَاءُ عَنْهُ أَشَدَّ الِابْتِعَادِ.

وَلَيْسَ التَّقْدِيمُ هُنَا مُفِيدًا لِلتَّخْصِيصِ لِأَنَّ التَّخْصِيصَ لَا أَثَرَ لَهُ فِي الصِّلَةِ، وَلِأَنَّ

الْأَكْثَرَ فِي تَقْدِيمِ الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ عَلَى الْخَبَرِ الْفِعْلِيِّ الْمَنْفِيِّ، إِذَا لَمْ يَقَعِ الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ عَقِبَ حَرْفِ النَّفْيِ، أَنْ لَا يُفِيدَ تَقْدِيمُهُ إِلَّا التَّقَوِّيَ، دُونَ التَّخْصِيصِ، وَذَلِكَ هُوَ الْأَكْثَرُ فِي الْقُرْآنِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ [الْبَقَرَة: ٢٧٢] إِذْ لَا يُرَادُ وَأَنْتُمْ دُونَ غَيْرِكُمْ لَا تُظْلَمُونَ.

فَقَوْلُهُ: الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنْهُمْ بَدَلٌ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بَدَلًا مُطَابِقًا، فَالَّذِينَ عَاهَدَهُمْ هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا، فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ. وتعدية عاهَدْتَ بِمن لِلدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّ الْعَهْدَ كَانَ يَتَضَمَّنُ الْتِزَامًا مِنْ جَانِبِهِمْ، لِأَنَّهُ يُقَالُ أَخَذْتُ مِنْهُ عَهْدًا، أَيِ الْتِزَامًا،

Juz 10, hlm. 47 ›

فَلَمَّا ذُكِرَ فِعْلُ الْمُفَاعَلَةِ، الدَّالُّ عَلَى حُصُولِ الْفِعْلِ مِنَ الْجَانِبَيْنِ، نَبَّهَ عَلَى أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ الْمُعَاهَدَةِ الْتِزَامُهُمْ بِأَنْ لَا يُعِينُوا عَلَيْهِ عَدُوًّا، وَلَيْسَتْ مِنْ تَبْعِيضِيَّةً لِعَدَمِ مَتَانَةِ الْمَعْنَى إِذْ يَصِيرُ الذَّمُّ مُتَوَجِّهًا إِلَى بَعْضِ الَّذِينَ كَفَرُوا، فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ، وَهُمُ الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ.

وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَتَادَةَ: أَنَّ الْمُرَادَ بِهِمْ قُرَيْظَةُ فَإِنَّهُمْ عَاهَدُوا النَّبِيءَ ﷺ أَنْ لَا يُحَارِبُوهُ وَلَا يُعِينُوا عَلَيْهِ عَدُوَّهُ، ثُمَّ نَقَضُوا عَهْدَهُمْ فَأَمَدُّوا الْمُشْرِكِينَ بِالسِّلَاحِ وَالْعُدَّةِ يَوْمَ بَدْرٍ، وَاعْتَذَرُوا فَقَالُوا: نَسِينَا وَأَخْطَأْنَا، ثُمَّ عَاهَدُوهُ أَنْ لَا يَعُودُوا لِمِثْلِ ذَلِكَ فَنَكَثُوا عَهْدَهُمْ يَوْمَ الْخَنْدَقِ، وَمَالُوا مَعَ الْأَحْزَابِ، وَأَمَدُّوهُمْ بِالسِّلَاحِ وَالْأَدْرَاعِ.

وَالْأَظْهَرُ عِنْدِي أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِمْ قُرَيْظَةَ وَغَيْرَهُمْ مِنْ بَعْضِ قَبَائِلِ الْمُشْرِكِينَ، وَأَخَصُّهَا الْمُنَافِقُونَ فَقَدْ كَانُوا يُعَاهِدُونَ النَّبِيءَ ﷺ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ كَمَا قَالَ تَعَالَى:

وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ [التَّوْبَة: ١٢] الْآيَةَ. وَقَدْ نَقَضَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبِيٍّ وَمَنْ مَعَهُ عَهْدَ النُّصْرَةِ فِي أحد، فانخزل بِمَنْ مَعَهُ وَكَانُوا ثُلُثَ الْجَيْشِ. وَقَدْ ذُكِرَ، فِي أَوَّلِ سُورَةِ بَرَاءَةٌ عَهْدُ فِرَقٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ. وَهَذَا هُوَ الْأَنْسَبُ بِإِجْرَاءِ صِلَةِ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَيْهِمْ لِأَنَّ الْكُفْرَ غَلَبَ فِي اصْطِلَاحِ الْقُرْآنِ إِطْلَاقُهُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ.

وَالتَّعْبِيرُ، فِي جَانِبِ نَقْضِهِمُ الْعَهْدَ، بِصِيغَةِ الْمُضَارِعِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ يَتَجَدَّدُ مِنْهُمْ وَيَتَكَرَّرُ، بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ، وَأَنَّهُمْ لَا يَنْتَهُونَ عَنْهُ، فَهُوَ تَعْرِيضٌ بِالتَّأْيِيسِ مِنْ وَفَائِهِمْ بِعَهْدِهِمْ، وَلِذَلِكَ فُرِّعَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ إِلَخْ. فَالتَّقْدِيرُ: ثُمَّ نَقَضُوا عَهْدَهُمْ وَيَنْقُضُونَهُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ.

وَالْمُرَادُ بِ كُلِّ مَرَّةٍ كُلُّ مَرَّةٍ مِنَ الْمَرَّاتِ الَّتِي يَحِقُّ فِيهَا الْوَفَاءُ بِمَا عَاهَدُوهُ عَلَيْهِ سَوَاءٌ تَكَرَّرَ الْعَهْدُ أَمْ لَمْ يَتَكَرَّرْ، لِأَنَّ الْعَهْدَ الْأَوَّلَ يَقْتَضِي الْوَفَاءَ كُلَّمَا دَعَا دَاعٍ إِلَيْهِ.

وَالْأَظْهَرُ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ عَقِبَ وَقْعَةِ بَدْرٍ، وَقَبْلَ وَقْعَةِ الْخَنْدَقِ، فَالنَّقْضُ الْحَاصِلُ مِنْهُمْ حَصَلَ مَرَّةً وَاحِدَةً، وَأَخْبَرَ عَنْهُ بِأَنَّهُ يَتَكَرَّرُ مَرَّاتٍ، وَإِنْ كَانَتْ نَزَلَتْ بَعْدَ الْخَنْدَقِ، بِأَنِ امْتَدَّ زَمَانُ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ، فَالنَّقْضُ مِنْهُمْ قَدْ حَصَلَ مَرَّتَيْنِ،

Juz 10, hlm. 48 ›

Pembahasan ayat ini masih 2 halaman lagi. Lanjut membaca di kitab

Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.

Cari kutipan ayat ini di seluruh perpustakaan →