التفسير الوسيط - مجمع البحوث
· مجموعة من المؤلفين
والمعنى: أَن أَمر كفار قريش، مثل ما اعتاده قوم فرعون والذين من قبلهم من الكفار، كذبوا بآيات ربهم المنزلة على رسلهم وبآياته الكونية، واستمروا على ذلك فأَهلكهم الله جميعًا بذنوبهم، وكان عقاب آل فرعون الإِغراق، وكل من هؤلاءِ الكفار المكذِّبين كانوا ظالمين: ﴿وَمَا ظَلَمَهُمُ اللهُ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾.
ولسوف يعاقب الله أَشباههم من قريش إِن استمرُّوا على تكذيبهم، كما عاقب آل فرعون، فليسوا أَشد منهم قوة، ولا أَكثر جمعا.
﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٥٥) الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ في كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ (٥٦) فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ في الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (٥٧) وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ (٥٨) وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ (٥٩) وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ في سَبِيلِ اللهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (٦٠)﴾.
المفردات:
﴿الدَّوَابِّ﴾: جمع دابة وهي كل ما يدب على وجه الأَرض.
﴿يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ﴾: أَي يفكُّونه، والمراد أَنهم لا يوفون له.
Juz 3, hlm. 1637 ›
﴿تَثْقَفَنَّهُمْ﴾: تلقاهم وتجدهم.
﴿فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ﴾: فافعل بهم فعلا يخيف مَنْ وراءَهم ويشُرِّدُهم.
والتشريد: التبديد والتفريق.
﴿تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً﴾: أَي تتوقع من قوم خيانة بنقض العهد ونكثه.
﴿فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾: فاطرح إِليهم عهدهم على طريق سوى من العدل بأَن تخبرهم بذلك.
﴿سَبَقُوا﴾: فاتوا وأَفلتوا من عقابنا.
﴿لَا يُعْجِزُونَ﴾: لا يفوتون ولا يفلتون من عقاب الله بل هو قادر عليهم.
﴿مِنْ قُوَّةٍ﴾: من كل ما يتقوى به في الحرب.
﴿رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾: المكان الذي ترابط فيه الخيل المعدَّة للقتال.
﴿تُرْهِبُونَ﴾: تُخَوِّفون.
﴿لَا تَعْلَمُونَهُمُ﴾: لا تعرفونهم بأَعيانهم أَو لا تعلمونهم كما هم عليه من العداوة.
التفسير
٥٥ - ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾:
نزلت الآيات في بني قريظة. عاهدهم رسول الله ﷺ أَن لا يمالئوا عليه أَعداءَه فنكثوا بأَن أَعانوا مشركى مكة بالسلاح وقالوا نسينا وأَخطأَنا، ثم عاهدهم فنكثوا ومالوا مع الكفار يوم الخندق، وكان كعب بن الأَشرف قد انطلق إِلى أهل مكة قبل غزوة الخندق فحالفهم على محاربة رسول الله ﷺ وغزو المدينة، فأَنزل الله هذه الآيات، ليبيِّن أَنهم شرّ من دب على وجه الأَرض في حكم الله وقضائه، لا شرُّ الناس فقط، وفي ذلك إِشارة إِلى أَنهم بمعزل عن الناس، فهم من جنس الدَّواب ومع ذلك فهم شرُّ من جميع أَفرادها، ومثله: ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾.
والمعنى: إِن شر جميع ما يدب على وجه الأَرض، هم اليهود الذين كفروا برسول الله ﷺ وما جاءَ به، فهم مستمرُّون على عدم إِيمانهم به، مع قيام الحجة عليهم
Juz 3, hlm. 1638 ›
وثبوت أَماراته في كتبهم، ثم استمر في بيان قبائح هؤلاءِ الكفار الموصوفين بأَنهم شرُّ الدواب فقال:
٥٦ - ﴿الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ في كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ﴾:
بيَّنت هذه الآية الكريمة أَن هؤلاءِ اليهود الذين هم شر الدواب عاهدهم النبي ﷺ فغدروا، ثم عاهدهم فغدروا، وتكرَّر منهم نقض العهد في كل مرة، وهم لا يتقون الله، ولا يخشون عقابه لهم على نكث العهد، وما يجره عليهم من نكبات تحلُّ بهم.
٥٧ - ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ في الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾:
المراد من (ما) في قوله تعالى: ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ﴾ التأْكيد، والمعنى: إِذا كان حالهم ما ذكر من نقض العهود، ففي أَي وقت أَو مكان تصادفهم وتظفر بهم في الحرب فشتِّت بقتالهم والتنكيل بهم مَنْ خلفهم من الناكثين للعهود، والمتربصين لقتال المسلمين، لعل الأَعداءَ من ورائهم يتعظون بما فعلت مع هؤلاءِ من حرب ونكاية وتشريد.
٥٨ - ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾:
المراد من لفظ (ما) في قوله: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ﴾ التأْكيد كسابقتها.
والمعنى: وإِن خفت في أَي وقت، من قوم خيانة في عهد بينك وبينهم، بأَمارة تلوح لك كما ظهر من بني قريظة وبنى النضير، فاطرح إِليهم عهدهم وأَعلمهم بذلك وأَنه لا عهد بعد اليوم، ولتكن أَنت وهم في ذلك العلم وطرح العهد على سواءٍ، أَي مستويًا أَنت وهم في ذلك، لئلاَّ يتهموك بالغدر إِن أَخذتهم بغتة قبل أَن تبلغهم. ثم علل هذا الأَمر بقوله:
﴿إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾:
أَي لا يرضى عن الغادرِين الذين يغدرون بمن كان في أَمانٍ وعهدٍ، هذا إِذا لم يتحقق نقضهم للعهد، وإِلاَّ حاربهم كما فعل رسول الله ﷺ بقريش، حينما
Juz 3, hlm. 1639 ›
Pembahasan ayat ini masih 2 halaman lagi. Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.