وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴿٤١﴾
تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه - الدرة
· محمد علي طه الدرة
القرآن، ثم نعم وبئس بكسر أولهما وثانيهما، غير أن الغالب في (نعم) أن يجيء بعده ما، كقوله تعالى: ﴿نِعِمّا يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ و (بئس) جاءت بعدها (ما) على اللغة الأولى الفصحى، كقوله تعالى:
﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾ واللغة الثالثة: نعم وبأس بفتح فسكون، والرابعة: نعم وبئس بفتح فكسر، وهي الأصل فيهما، ولا بد لهما من شيئين: فاعل ومخصوص بالمدح أو الذم، والقول بفعليتهما إنما هو قول البصريين، والكسائي؛ بدليل دخول تاء التأنيث عليهما في قول الرسول ﷺ: «من توضّأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل». وقال الكوفيون إلا الكسائي: هما اسمان بدليل دخول حرف الجر عليهما في قول أعرابي، وقد أخبر بأن امرأته ولدت بنتا له: (والله ما هي بنعم الولد، نصرها بكاء وبرّها سرقة) وقول غيره: (نعم السير على بئس العير) وأوّله البصريون على حذف كلام مقدر، إذ التقدير: والله ما هي بولد مقول فيه: نعم الولد، ونعم السّير على عير مقول فيه: بئس العير. انتهى. والمعتمد في ذلك قول البصريين.
الإعراب: ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا﴾: انظر إعراب: ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا﴾ في الآية السابقة. ﴿فَاعْلَمُوا﴾: الفاء:
واقعة في جواب الشرط. (اعلموا): أمر وفاعله، والألف للتفريق، ﴿إِنْ﴾: حرف مشبه بالفعل.
﴿اللهَ﴾: اسمها. ﴿مَوْلاكُمْ﴾: خبر ﴿إِنْ﴾ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والكاف في محل جر بالإضافة، و ﴿إِنْ﴾ واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعولي (اعلموا)، وجملة: ﴿فَاعْلَمُوا..﴾. إلخ في محل جزم جواب الشرط.. إلخ، و (إن) ومدخولها معطوف على مثله في الآية السابقة، هذا هو الظاهر، وعند التأمل يظهر لك أن جواب الشرط محذوف، التقدير: فلا تخشوهم، والجملة بعدها مفيدة للتعليل، التقدير: لأن الله مولاكم... إلخ. انتهى. جمل، وفيه تكلف ظاهر. ﴿نِعْمَ الْمَوْلى﴾: فعل وفاعل، والمخصوص بالمدح محذوف، تقديره: هو، وهذا فيه وجهان: أحدهما: أنه مبتدأ مؤخر خبره الجملة الفعلية قبله، والثاني: أنه خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: هو، أي: هو الله، والكلام مستأنف لا محل له.
﴿وَاِعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللهِ وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ يَوْمَ اِلْتَقَى الْجَمْعانِ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤١)﴾
الشرح: ﴿وَاعْلَمُوا﴾: من العلم والمعرفة. ﴿وَلِذِي الْقُرْبى﴾ أي: قرابة الرسول ﷺ.
﴿وَالْيَتامى﴾: جمع يتيم، وهو من الحيوان من فقد أمه فقط، ومن بني آدم من فقد أباه أو أمه، أو فقدهما معا، والمراد بهم هنا من فقدوا معيلهم، وهو الأب، وهناك يتيم العلم، والعقل، والتربية، والخلق، والدين، وهو أسوأ حالا من الأول، وإن كان قد بلغ من العمر الستين والسبعين، ويملك من الأموال الملايين، ولله درّ القائل: [البسيط]
Juz 4, hlm. 53 ›
ليس اليتيم الذي قد مات والده... إنّ اليتيم يتيم العقل والأدب
ومنه من أهمل أبوه وأمه تربيته مع كونهما موجودين، وخذ قول الآخر: [الكامل]
ليس اليتيم من انتهى أبواه من... همّ الحياة، وخلّفاه ذليلا
إنّ اليتيم هو الذي تلقى له... أمّا تخلّت، أو أبا مشغولا
﴿وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾: سأتكلم عن هذين في الآية رقم [٦١] من سورة (التوبة) إن شاء الله تعالى. ﴿كُنْتُمْ﴾: انظر إعلال ﴿قُلْنا﴾ في الآية رقم [١١] من سورة (الأعراف)، ﴿وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ﴾: الذي أنزله الله وتكرم به على نبيه وعلى المؤمنين يوم بدر من الآيات الباهرة والمعجزات الظاهرة من نزول الملائكة والنصر المبين الذي رفع الله به شأن الإسلام والمسلمين، وسمي يوم بدر يوم الفرقان لأنه فرق فيه بين الحق والباطل، و ﴿الْجَمْعانِ﴾ جمع المسلمين وجمع المشركين، هذا، وانظر (نا) في الآية رقم [٧] (الأعراف) و ﴿يَوْمَ﴾ في الآية رقم [١٢٨] (الأنعام). هذا؛ وذكر الرسول بلفظ ﴿عَبْدِنا﴾ للتشريف والتعظيم، فإن الله أضافه لنفسه، ولم يجعل لغيره فيه حظا ونصيبا، وانظر الآية رقم [٢٣] (البقرة). ﴿وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي: مقتدر لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، ومن ذلك نصره العدد القليل على الكثير يوم بدر، هذا؛ والغنيمة في اللغة ما يناله الإنسان بسعيه، والمغنم والغنيمة بمعنى، والمراد به في الآية الكريمة: ما أخذه المسلمون من الكفار على وجه الغلبة والقهر، هذا؛ والفيء: ما وصل ليد المسلمين من غير حرب، ولا إيجاف خيل، ولا ركاب، كالجزية، وما يصالح عليه الكفار المسلمين، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٦٩] الآتية.
تنبيه: رأيت في أول السورة كيف اختلف المسلمون في غنائم بدر، وكيف وكل الله أمر تقسيمها لنبيه ﷺ، ثم نزلت هذه الآية لتبين حكم ما يغنمه المسلمون من الكفار، إلى يوم القيامة حيث تقسم خمسة أخماس، فأربعة تعطى للمحاربين الغانمين الذين شهدوا الوقعة، وحازوا الغنيمة، فيعطى للفارس ثلاثة أسهم، سهم له، وسهمان لفرسه ويعطى الراجل سهما واحدا، وقيل: غير ذلك، وأما الخمس الآخر فيقسم خمسة أخماس، وظاهر النص أنه يقسم ستة أسداس، ولكن الله لم يرد شيئا من المال؛ لأن الدنيا والآخرة كلها له تعالى، وإنما ذكر اسمه على سبيل التبرك، وهذا قول الحسن، وقتادة، وعطاء، وإبراهيم النخعي، فقد قالوا: سهم الله وسهم رسوله واحد، وقيل: سهم الله يصرف إلى جميع هؤلاء الأصناف المذكورين بالسوية، وحكمه باق، غير أن سهم الرسول ﷺ يصرف إلى ما كان يصرفه إليه من مصالح المسلمين، كما فعله أبو بكر وعمر ﵄، وقيل: إلى الإمام، وقيل: إلى الأصناف الأربعة، وقال أبو حنيفة-رحمه الله تعالى-: سقط سهمه وسهم ذوي القربى بوفاته، وصار الكل مصروفا إلى
Juz 4, hlm. 54 ›
الثلاثة الباقية، وعن مالك-رحمه الله تعالى-: الأمر فيه مفوض إلى رأي الإمام يصرفه إلى ما يراه أهم، وذهب أبو العالية إلى ظاهر الآية، فقال: يقسم ستة أقسام، يصرف سهم الله إلى الكعبة؛ لما روي أنه ﷺ كان يأخذ منه قبضة فيجعلها للكعبة؛ ثم يقسم ما بقي على خمسة، وقيل: سهم الله لبيت المال، وقيل: غير ذلك، وذو القربى: بنو هاشم، وبنو المطلب، لما روي: أن النبي ﷺ قسم سهم ذوي القربى عليهما، فقال له عثمان بن عفان، وجبير بن مطعم:
هؤلاء إخوتك بنو هاشم لا ننكر فضلهم لمكانك الذي جعلك الله منهم، أرأيت إخواننا من بني المطلب أعطيتهم، وحرمتنا، وإنما نحن وهم بمنزلة. فقال ﷺ: «إنهم لم يفارقونا في جاهلية، ولا في إسلام». وشبك بين أصابعه. وقيل: بنو هاشم وحدهم، وقيل: جميع قريش، والغني والفقير سواء، وقيل: هو مخصوص بفقرائهم كسهم ابن السبيل، وقيل: الخمس كله لهم، والمراد باليتامى والمساكين وابن السبيل من كان منهم، والعطف للتخصيص. انتهى. بيضاوي.
الإعراب: ﴿وَاعْلَمُوا﴾: (اعلموا): أمر، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿أَنَّما﴾: (أن):
حرف مشبه بالفعل. (ما): اسم موصول مبني على السكون، أو هي نكرة موصوفة في محل نصب اسم (أن). ﴿غَنِمْتُمْ﴾: فعل وفاعل، والجملة الفعلية صلة (ما)، أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف، إذ التقدير: الذي: أو شيئا غنمتموه. ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾: متعلقان بمحذوف حال من الضمير المحذوف، و (من) بيان لما أبهم في (ما). ﴿فَأَنَّ﴾: الفاء: صلة. (أن): حرف مشبه بالفعل. ﴿لِلّهِ﴾: متعلقان بمحذوف خبر (أن) تقدم على اسمها، وهو خمسة، و (أن) واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل رفع خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: فحكمه أن لله خمسه، هذا؛ وقرئ بكسر همزة «(إن)»، وعلى الوجهين فالجملة اسمية، وهي في محل رفع خبر (أن) الأولى ودخلت الفاء على الخبر؛ لأن الموصول يشبه الشرط في العموم، و (أن) واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعولي: ﴿وَاعْلَمُوا﴾ والجملة هذه معطوفة على جملة:
﴿وَقاتِلُوهُمْ..﴾. إلخ أو هي مستأنفة لا محل لها. ﴿وَلِلرَّسُولِ﴾: معطوفان على ﴿لِلّهِ﴾. ﴿وَلِذِي﴾:
جار ومجرور معطوفان أيضا، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، و «ذي»: مضاف، و ﴿الْقُرْبى﴾: مضاف إليه مجرور وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر.
﴿وَالْيَتامى﴾: معطوف على ﴿لِلّهِ﴾ مجرور... إلخ. ﴿وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾: معطوفان أيضا على ﴿وَلِلرَّسُولِ﴾. ﴿فَأَنَّ﴾: حرف شرط جازم. ﴿كُنْتُمْ﴾: ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه، وجملة: ﴿آمَنْتُمْ بِاللهِ﴾ في محل نصب خبر كان، والجملة: ﴿كُنْتُمْ..﴾. إلخ لا محل لها لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه، التقدير: إن كنتم... فاعلموا. ﴿وَما﴾: اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل جر معطوف على ﴿وَلِلرَّسُولِ﴾ والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد أو
Juz 4, hlm. 55 ›
Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.