التفسير المنير - الزحيلي
· وهبة الزحيلي
للمؤمنين تدفعهم إلى تحقيق الخصال الثلاثة المتقدمة، فقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ..﴾. وهذه الصفات هي ما يأتي:
١ - الخوف التام من الله: الذين إذا ذكروا الله بقلوبهم، وأحسوا بعظمته وجلاله، وتذكروا وعده ووعيده، خافوا منه أتم الخوف. كما قال تعالى في آية أخرى: ﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ، الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ..﴾.
[الحج ٣٤/ ٢٢ - ٣٥].
٢ - زيادة الإيمان بتلاوة القرآن: الذين إذا تليت عليهم آياته القرآنية، زادتهم إيمانا ويقينا وتصديقا، وإقبالا على العمل الصالح؛ لأن كثرة الأدلة والتذكير بها، يوجب زيادة اليقين، وقوة الاعتقاد، فالرؤية البصرية أو الحسية مثلا تقوي القناعة الذاتية، كما حدث لإبراهيم ﵇ الذي كان مؤمنا، وطلب من ربه أن يريه كيف يحيي الموتى: ﴿قالَ: أَوَلَمْ تُؤْمِنْ؟ قالَ:﴾
﴿بَلى، وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة ٢٦٠/ ٢] وهذا يدل على أن منزلة الطمأنينة في الإيمان أقوى وأعلى من مجرد الإيمان. ونظير الآية قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدادُوا إِيماناً مَعَ إِيمانِهِمْ﴾ [الفتح ٤/ ٤٨] وقوله:
﴿وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيماناً؟ فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [التوبة ١٢٤/ ٩].
٣ - التوكل على الله أي الاعتماد عليه والثقة به والتفويض إليه: الذين يتوكلون على ربهم وحده، وإليه يلجأون، ولا يرجون غيره، ولا يقصدون إلا إياه، ولا يطلبون الحوائج إلا منه، وذلك بعد اتخاذ الأسباب، فمن تعاطى الأسباب المطلوبة منه عقلا وعادة، ثم فوض الأمر لله، وأيقن أن الأمر كله بيد الله، فهو من أهل الإيمان. أما ترك الأسباب فهو جهل بمفهوم التوكل.
٤ - إقامة الصلاة: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾، أي يؤدونها كاملة الأركان
Juz 9, hlm. 246 ›
والشروط من قيام وركوع وسجود وتلاوة وأذكار في مواقيتها المعينة شرعا، مع خشوع القلب، ومناجاة الرحمن، وتدبر قراءة القرآن.
٥ - الإنفاق في سبيل الله: الذين ينفقون بعض أموالهم في وجوه الخير بإخراج الزكاة المفروضة، وأداء الصدقات التطوعية، والنفقات الواجبة للأصول والأهل، والمندوبة للأقارب والمحتاجين وفي مصالح الأمة وجهاد العدو، فإن الأموال عواري وودائع عند الإنسان لا بد أن يفارقها.
وهذه الأعمال تشمل أنواع الخير كلها، لذا قال تعالى بعد بيانها: ﴿أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ أي أولئك الموصوفون: بما ذكرهم دون غيرهم المؤمنون حق الإيمان. وقد أشير إليهم بأولئك المفيد للبعد لبيان كمالهم وعلو منزلتهم.
روى الطبراني عن الحارث بن مالك الأنصاري ﵁ أنه مرّ برسول الله ﵌، فقال له: «كيف أصبحت يا حارثة؟ قال: أصبحت مؤمنا حقا، قال: انظر ماذا تقول، فإن لكل شيء حقيقة، فما حقيقة إيمانك؟ قال:
عزفت نفسي عن الدنيا، فأسهرت ليلي، وأظمأت نهاري، وكأني أنظر إلى عرش ربي بارزا، وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون فيها، وكأني أنظر إلى أهل النار يتضاغون (¬١) فيها، فقال: يا حارثة، عرفت فالزم-ثلاثا».
هذه صفات المؤمنين، أما المنافقون فقال ابن عباس عنهم: المنافقون لا يدخل قلوبهم شيء من ذكر الله عند أداء فرائضه، ولا يؤمنون بشيء من آيات الله، ولا يتوكلون، ولا يصلون إذا غابوا، ولا يؤدون زكاة أموالهم، فأخبر الله تعالى أنهم ليسوا بمؤمنين، ثم وصف الله المؤمنين، فقال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ..﴾ ..
Juz 9, hlm. 247 ›
ثم ذكر الله جزاء المؤمنين الموصوفين بما ذكر، عند ربهم، فقال: ﴿لَهُمْ دَرَجاتٌ..﴾. أي لهم منازل ومقامات ودرجات في الجنات على حسب أعمالهم ونواياهم، كما قال تعالى: ﴿هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللهِ، وَاللهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ﴾ [آل عمران ١٦٣/ ٣]. ولهم مغفرة أي يغفر الله لهم السيئات، يشكر لهم الحسنات، ولهم رزق كريم: وهو ما أعد لهم من نعيم الجنة. والكريم: وصف لكل شيء حسن.
قال الضحاك في قوله: ﴿لَهُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾: أهل الجنة ﴿بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ﴾، فيرى الذي هو فوق فضله على الذي هو أسفل منه، ولا يرى الذي هو أسفل منه أنه فضل عليه أحد، ولهذا جاء
في الصحيحين أن رسول الله ﵌ قال: «إن أهل عليين ليراهم من أسفل منهم، كما ترون الكوكب الغابر في أفق من آفاق السماء» قالوا: يا رسول الله، تلك منازل الأنبياء، لا ينالها غيرهم، فقال: «بلى والذي نفسي بيده، رجال آمنوا بالله، وصدقوا المرسلين».
وفي الحديث الآخر الذي رواه أحمد وأهل السنن عن أبي سعيد الخدري قال:
قال رسول الله ﵌: «إن أهل الجنة ليتراءون أهل الدرجات العلى، كما تراءون الكوكب الغابر في أفق السماء، وإن أبا بكر وعمر منهم، وأنعما».
فالمؤمنون متفاوتو الدرجة في الآخرة، وكذلك الرسل درجات، بدليل قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ، مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللهُ، وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ﴾ [البقرة ٢٥٣/ ٢] وفضل الله المهاجرين المجاهدين على غيرهم، فقال: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللهِ، وَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ﴾ [التوبة ٢٠/ ٩].
وهناك تفاوت أيضا في درجات الدنيا، لقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ، وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ، لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ، إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقابِ، وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام ١٦٥/ ٦].
Juz 9, hlm. 248 ›
Pembahasan ayat ini masih 1 halaman lagi. Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.