سورة الأنفال
هي مدنية كلها، وهو الأصح كما في الخازن، وإن كانت الآيات السبع المذكورة في شأن المؤامرة التي عقدها زعماء قريش ليلة الهجرة في مكة، إذ لا يلزم من كون الواقعة في مكة أن تكون الآيات التي في شأنها كذلك، فالآيات المذكورة، نزلت بالمدينة تذكيرا للنبي ﷺ بما وقع في مكة.
وهي خمس وسبعون آية، وألف وخمس وسبعون كلمة، وخمسة آلاف، وثمانون حرفا، وانظر شرح الاستعاذة والبسملة وإعرابهما في أول سورة (الفاتحة).
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ قُلِ الْأَنْفالُ لِلّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللهَ وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١)﴾
الشرح: ﴿الْأَنْفالِ﴾: الغنائم، جمع نفل بفتح النون والفاء، هذا والنّفل: الزيادة، ومنه نافلة الصلاة والصوم والحج، والصدقة التي يفعلها الإنسان المسلم زيادة على المكتوبات، وجمع النافلة: نافلات، ونوافل، هذا والنافلة العطية بدون مقابل كأنها مغنم، ومن هذا قوله سبحانه ممتنّا على إبراهيم ﵇ ﴿وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ نافِلَةً﴾ [الأنبياء: ٧٢].
﴿لِلّهِ﴾: علم على الذات الواجب الوجود، المستحق لجميع المحامد، وهو اسم الله الأعظم، الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى، وإنما تخلفت الإجابة في بعض الأحيان عند الدعاء به؛ لتخلف شروط الإجابة التي أعظمها أكل الحلال.
﴿وَالرَّسُولِ﴾: المراد به هنا: محمد ﷺ، هذا وتعريفه بالنسبة لجميع الرسل: هو ذكر، حر، من بني آدم، سليم عن منفر طبعا، أوحي إليه بشرع يعمل به، ويؤمر بتبليغه، وإن لم يؤمر بالتبليغ؛ فهو نبي، هذا والنبي مأخوذ من النبأ وهو: الخبر؛ لأنه يخبر عن ربه فيما أوحي إليه، وقيل: بل هو مأخوذ من النّبوة، وهو الارتفاع؛ لأنه رتبة النبي ارتفعت عن رتب سائر الخلق.
وانظر عدد الأنبياء والمرسلين، وما ذكرته بشأنهم في الآية رقم [١٦٣] (النساء). و [٨٦] (الأنعام) تجد ما يسرك. ﴿فَاتَّقُوا﴾: أمر من التقوى وهي حفظ النفس من العذاب الأخروي بامتثال
Juz 4, hlm. 5 ›
أوامر الله، واجتناب نواهيه؛ لأن أصل المادة من الوقاية، وهي الحفظ والتحرز من المهالك في الدنيا والآخرة، وانظر ما وصف الله به المتقين في أول سورة البقرة، هذا وأصل اتقوا: (اتّقيوا) فحذفت الضمة التي على الياء للثقل، ثم حذفت الياء لالتقاء الساكنين، ثم قلبت كسرة القاف ضمة لمناسبة واو الجماعة.
﴿ذاتَ﴾: مؤنث ذو، الذي هو بمعنى صاحب، وقد يثنى على لفظه، فيقال: ذاتا، أو ذاتي كذا، من غير رد لام الكلمة، وهو القياس، كما يثنى ذو بذوا، أو ذوي على لفظه، ويجوز فيها (ذواتا) على الأصل برد لام الكلمة، وهي الياء ألفا لتحرك العين، وهو الواو قبلها، وهو الكثير في الاستعمال، قال تعالى ﴿ذَواتا أَفْنانٍ﴾ وقال ﴿ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ﴾ وانظر الآية رقم [١١٩] من آل عمران تجد ما يسرك. ومعنى ﴿وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ﴾ الحال التي بينكم أصلحوها بالمودة وترك النزاع، والمواساة والمساعدة فيما رزقكم، وتسليم الأمر لله ورسوله، هذا و «البين» يطلق على الوصال، والفراق، والبعاد، كما رأيت في الآية رقم [٩٤] الأنعام. ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾: انظر الإيمان في الآية رقم [١] الأعراف. هذا؛ و «السؤال» في هذه الآية سؤال استفتاء: لأن هذا أول تشريع الغنيمة، و «سأل» تارة يكون لاقتضاء معنى في نفس المسئول، فيتعدى بعن، كهذه الآية، وقد يكون لاقتضاء مال، ونحوه، فيتعدى لاثنين، نحو سألت زيدا مالا.
تنبيه: سبب نزول الآية الكريمة وما بعدها اختلاف المسلمين في غنائم بدر: أنها كيف تقسم؟ ومن يقسم له: المهاجرون، أو الأنصار؟ وقيل: شرط رسول الله ﷺ لمن كان له عناء أن ينفله، فتسارع شبانهم إلى القتال حتى قتلوا سبعين رجلا من المشركين، وأسروا سبعين منهم، ثم طلبوا ما شرط لهم النبي ﷺ من العطية، وكان المال المكتسب من المشركين قليلا، فقال الشيوخ، والوجوه الذين كانوا عند الرايات مرابطين: إنا كنا ردءا لكم، وفئة تنحازون إليها، فنزلت الآية الكريمة، فبينت: أن الغنائم لله ورسوله يجعلانها حيث شاءا، والله قد وكل إلى نبيه أمر تقسيمها، فهو يمتثل أمر الله فيها، فقسمها بينهم على السواء، وانظر الآية رقم [٤٢] الآتية، فإنها ناسخة لحكم هذه الآية، وهذه الآية ناسخة لشرع من كان قبلنا؛ حيث كانت الغنائم محرمة عليهم، إذا هذه الآية ناسخة من وجه، ومنسوخة من وجه. تأمل، وتدبر، وربك أعلم.
الإعراب: ﴿يَسْئَلُونَكَ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، وفاعل السؤال يعود إلى معلوم، وهو من حضر بدرا. ﴿عَنِ الْأَنْفالِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، وهما المفعول الثاني، وقيل: ﴿عَنِ﴾ صلة، والأنفال مجرور لفظا، منصوب محلا، وأيد بقراءة سعد بن أبي وقاص، وابن مسعود، وعلي بن الحسين وغيرهم، ﵃ أجمعين «(يسألونك الأنفال)» بدون عن، والصحيح أن هذه القراءة على إرادة حرف الجر. انتهى. جمل، نقلا عن السمين، والجملة الفعلية ابتدائية لا محل لها. ﴿قُلِ﴾: فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿الْأَنْفالِ﴾: مبتدأ.
Juz 4, hlm. 6 ›
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.