تفسير ابن كثير - ط أولاد الشيخ
· ابن كثير
أبو أسامة، حدثنا الأعمش: أن أنس بن مالك قرأ هذه الآية: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾. فقال له رجل: إنما نقرؤها ﴿وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ فقال له: أن أصوب وأقوم وأهيأ وأشباه هذا واحد.
ولهذا قال: ﴿إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَويلًا﴾، قال ابن عباس، وعكرمة، وعطاء بن أبي مُسلم: الفراغ والنوم، وقال أبو العالية، ومجاهد، وأبو مالك، والضحاك، والحسن، وقتادة، والربيع بن أنس، وسفيان الثوري: فراغًا طويلًا. وقال قتادة: فراغًا وبغيةً ومنقلبًا. وقال السدي: ﴿سَبْحًا طَويلًا﴾: تطوعًا كثيرًا.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله: ﴿سَبْحًا طَويلًا﴾، قال: لحوائجك، فأفْرغ لدينك الليل. قال: وهذا حين كانت صلاة الليل فريضة، ثم إن الله من على العباد فخففها ووضعها، وقرأ: ﴿قُمِ اللَّيلَ إلا قَلِيلً﴾ إلى آخر الآية، ثم قال: ﴿نَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيلِ﴾ حتى بلغ: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ [الليل نصفه أو ثلثه. ثم جاء أمر أوسع وأفسح وضع الفريضة عنه وعن أمته فقال:] [¬١] وقال: ﴿وَمِنَ اللَّيلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾. وهذا الذي قاله كما قاله.
والدليل عليه ما رواه الإمام أحمد (¬١٤) في مسنده حيث قال: حدثنا يحيى، حدثنا سعيد بن أبي عَرُوبة، عن قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن سعد [¬٢] بن هشام: أنه طلق امرأته ثم ارتحل إلى المدينة ليبيع عقارًا له بها ويجعله في الكراع والسلاح، ثم يجاهد الروم حتى يموت، فلقي رهطًا من قومه فحدثوه أن رهطًا من قومه ستةً أرادوا ذلك على عهد رسول الله ﷺ فقال: "أليس لكم في أسوة؟ " فنهاهم عن ذلك، فأشهدهم على رَجعتها، ثم رجع إلينا فأخبرنا أنه أتى ابن عباس فسأله عن الوتر فقال: ألا أنبئك بأعلم أهل الأرض بوتر رسول الله ﷺ؟ قال: نعم. قال: ائت عائشة فاسألها ثم ارجع إليّ فأخبرني بردّها عليك. قال: فأتيت على حَكيم بن أفلحَ فاستلحقتُه إليها، فقال: ما أنا بقاربها. إني نهيتها أن تقول في هاتين الشّيعَتَين شيئًا، فأبت فيهما إلا مُضِيًّا. فأقسمتُ عليه، فجاء معي، فدخلنا عليها فقالت: حكيم؟ -وعرفته- قال: نعم. قالت: من هذا معك؟ قال: سعد [¬٣] بن هشام. قالت: من هشام؟ قال: ابن عامر. قال [¬٤]: فترحمت [¬٥] عليه وقالت: نعم المرء
Juz 14, hlm. 164 ›
كان عامر. قلت: يا أم المؤمنين، أنبئيني عن خلق رسول الله ﷺ قالت: ألست تقرأ القرآن؟ قلت: بلى. قالت: فإن خلق رسول الله ﷺ كان القرآن. فهمَمتُ أن أقوم، ثم بدا لي قيامُ رسول الله ﷺ. قلت: يا أم المؤمنين، أنبئيني عن قيام رسول الله ﷺ. قالت: ألست تقرأ هذه السورة: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّل﴾؟ قلت: بلى. فقالت: فإن الله افترض [¬١] قيام الليل في أول هذه السورة، فقام رسول الله ﷺ وأصحابه حولًا حتى انتفخت أقدامهم، وأمسك الله خاتمتها في السماء اثني عشر شهرًا، ثم أنزل الله التخفيف في آخر هذه السورة، فصار قيام الليل تطوعًا من بعد فريضة. فهمَمتُ أن أقومَ، ثم بدا لي وتر رسول الله ﷺ، قلت: يا أم المؤمنين، أنبئيني عن وتر رسول الله ﷺ. قالت: كنا نعد له سواكه وطَهُوره، فيبعثه الله لما شاء أن يبعثه من الليل، فيتسوك ثم يتوضأ ثم يصلي ثماني ركعات لا يجلس فيهن إلا عند الثامنة، فيجلس ويذكر ربه [ودعو ويستغفر ثم ينهض ولا يسلم، ثم يصلي التاسعة فيقعد فيحمد ربه ويذكره ويدعو،] [¬٢] ثم يسلم تسليمًا يسمعنا، ثم يصلي ركعتين وهو جالس بعد ما يسلم. فتلك [¬٣] إحدى عشرة ركعة [¬٤] يابني. فلما أسن رسول الله ﷺ وأخذ اللحم، أوتر بسبع، ثم صلى ركعتين وهو جالس بعد ما يسلم، فتلك تسع يا بني. وكان رسول الله ﷺ إذا صلى صلاة أحب أن يداوم عليها، وكان إذا شَغَله عن قيام الليل نوم أو وَجَعٌ أو مرض، صلى من النهار ثنتي عشرة ركعة، ولا أعلم نبي الله ﷺ قرأ القرآن كله في ليلة، [ولا قام ليلة] [¬٥] حتى أصبح، ولا صام شهرًا كاملًا غير رمضان. فأتيت ابن عباس فحدثته بحديثها، فقال [¬٦]: صدقت [¬٧]، أما لو كنت أدخل عليها [¬٨] لأتيتها حتى تشافهني مشافهة.
هكذا رواه الإمام أحمد بتمامه. وقد أخرجه مسلم في صحيحه من حديث قتادة بنحوه [¬٩].
طريق أخرى عن عائشة في هذا المعنى، قال ابن جرير: حدثنا ابن وكيع، حدثنا زيد بن الحباب، وحدثنا ابن حميد، حدثنا مهران، قالا جميعًا، واللفظ لابن وكيع: عن موسى بن عُبيدَة، حدثني محمَّد بن طحلاء، عن أبي سلمة، عن عائشة قالت: كنت أجعل لرسول الله
Juz 14, hlm. 165 ›
ﷺ حصيرًا يُصَلي عليه من الليل، فتسامع الناس به [¬١] فاجتمعوا، فخرج كالمغضَب -وكان بهم رحيمًا، فخشي أن يكتب عليهم قيام الليل- فعَال: "أيها الناس، اكلَفُوا من الأعمال ما تطيقون، فإن الله لا يَمَلّ من الثواب حتى تملوا من العمل، وخير الأعمال ما ديمَ عليه"، ونزل القرآن: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيلَ إلا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَو انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيهِ﴾، حتى كان الرجل يربط الحبل ويتعلق، فمكثوا بذلك ثمانية أشهر، فرأى الله ما يبتغون من رضوانه، فرحمهم فردهم إلى الفريضة، وترك قيام الليل.
ورواه ابن أبي حاتم من طريق موسى بن عبيدة الربذي [¬٢]، وهو ضعيف. والحديث في الصحيح (¬١٥). بدون زيادة نزول هذه السورة، وهذا السياق قد يُوهم أن نزول هذه السورة بالمدينة، وليس كذلك، وإنما هي مكية. وقوله في هذا السياق: إن بين نزول أولها وآخرها ثمانية أشهر غريب؛ فقد تقدم في رواية أحمد أنه كان بينهما سنة.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو أسامة، عن مسعر، عن سماك الحنفي، سمعت ابن عباس يقول: أول ما نزل أول المزمل، كانوا يقومون نحوًا من قيامهم في شهر رمضان، وكان بين أولها وآخرها قريب من سنة.
وهكذا رواه ابن جرير عن أبي كريب، عن أبي أسامة به (¬١٦).
وقال الثوري ومحمد بن بشر العَبدي (¬١٧)، كلاهما عن مسعر، عن سماك، عن ابن عباس: كان بينهما سنة. وروى ابن جرير (¬١٨)، عن أبي كريب، عن وكيع، عن إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس مثله.
وقال ابن جرير (¬١٩): حدثنا ابن حميد، حدثنا [¬٣] مهران، عن سفيان، عن قيس بن وهب، عن أبي عبد الرحمن قال: لما نزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾، قاموا حولًا حتى ورمت أقدامهم وموقهم، حتى نزلت: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ قال: فاستراح الناس.
Juz 14, hlm. 166 ›
Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.