التفسير الوسيط - مجمع البحوث
· مجموعة من المؤلفين
وجزاء الخير على ما يقدمونه من بر وطاعة: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا﴾.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (٤)﴾
المفردات:
(الْمُزَّمِّلُ): المتزمل الذي تزمل بثيابه، أَي: تلفف بها، وقيل: غير ذلك.
(اللَّيْلَ): هو من غروب الشمس إِلى طلوع الفجر.
(وَرَتِّلْ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا): (الترتيل): التنضيد والتنسيق وحسن النظام، ومنه ثغر رتل إِذا كان حسن التنضيد.
التفسير:
٤،٣،٢،١ - ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (٤)﴾:
ما جاء في سبب النزول:
ورد في حديث جابر بن عبد الله ﵄ قال رسول الله ﷺ وهو يحدث عن فترة الوحي: "بينما أَنا أَمشي إِذ سمعت صوتًا من السماء فرفعت بصري فإِذا الملَك
Juz 10, hlm. 1631 ›
الذي جاءَني بحراءَ جالس على كرسيّ بين السماءِ والأَرض، فرغبت منه، فرجعت فقلت: زملوني، فأَنزل الله: (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنِذرْ) إلي قوله: (وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ) فحمى الوحي وتتابع، وقال المفسرون: وعلى أَثرها نزلت (يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ).
أَي: يا أَيها المتلفف بثيابك، وكان رسول الله ﷺ نائمًا بالليل متزملا في قطيفة فناداه ربّه بذلك تأنيسًا له وملاطفة على عادة العرب في اشتقاق اسم للمخاطب من صفته وحالته التي هو عليها، كقوله ﷺ لعليّ - كرم الله وجهه - حين غاضب زوجه فاطمة الزهراءَ ﵂ فأَتاه وهو نائم وقد لصق بجنبه التراب: "قم أَبا تراب" وكذلك قوله ﵊ لحذيفة: "قم يا نومان" وكان نائمًا، ونداء الله له بذلك قصدا لرفع الحجاب وطيًّا لبساط العتاب وزيادة في الإِدلال والترأَف تنشيطًا له ﷺ ليتلقى ما يكلف به من عمل يشق عليه بهمة عالية وعزيمة صادقة لا تعرف كلالا أَو تعبا.
وقيل: يا أَيها المزمل بالنبوة والملتزم بالرسالة. وقيل: المزمل بالقرآن.
(قُمْ اللَّيْلَ) أَمره - سبحانه - بالقيام والتشمر في الليل لإِحيائه بالصلاة والعبادة وتلاوة القرآن، وترك الهجوع إِلى السجود والركوع، وهجر المنام إِلى ما فيه نيل البغية وبلوغ المرام، إِنه ﷿ يعدُّه ويهيئه بقيام الليل وفيه ما فيه من المجاهدة والمصابرة ليؤهله إِلى أَداء الرسالة لقوم قوى مراسهم واشتد عنادهم.
(إِلا قَلِيلًا * نِصْفَهُ أَوْ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا *أَوْ زِدْ عَلَيْهِ) أَي: قم نصف الليل (¬١) أَو أَقل من النصف أَو أزيد منه واختلف في المراد من ذلك: فذهب أَكثر المفسرين إِلى أَنه ﷺ خُيِّر بين قيام نصف الليل أَو ثلثه أَو ثلثيه، وقال آخرون: هو مخيّر بين قيام نصف الليل أَو ربعه أَو ثلاثة أَرباعه (¬٢) والرأي الأَول أَجدر وأَولى لوضوحه وبيانه ولاتفّاقه مع ما جاءَ في آخر السورة: (إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَي اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ).
Juz 10, hlm. 1632 ›
وفي قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمْ اللَّيْلَ) تنبيه لكل متزمل راقد ليله أَن يقوم الليل ويذكر الله فيه؛ لأَن الاسم المشتق من الفعل يشترك فيه مع المخاطب كل من عمل ذلك العمل واتصف بتلك الصفة.
هذا. وهل كان قيام الليل فرضًا على رسولنا ﷺ وحده؟ أَو كان فرضًا عليه وعلى الأَنبياءِ قبله؟ أَو كان فرضًا عليه وعلى أُمته؟ أَقوال أَرجحها أَنه كان فرضًا عليه وعلى أُمته، وهو قول عائشة وابن عباس ﵄ فقد ورد في صحيح مسلم عن زرارة بن أَوفى: أَن سعد بن هشام بن عامر أَراد أَن يغزو في سبيل الله … وفي هذا الحديث فقلت (أَي: سعد بن هشام) لعائشة: أَنبئيني عن قيام رسول الله ﷺ فقالت: أَلست تقرأُ (يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ) قلت: بلى، فقالت: فإِن الله ﷿ افترض قيام الليل في أَول هذه السورة، فقام ﷺ وأَصحابه حولا، وأَمسك خاتمتها اثنى عشر شهرًا في السماءِ حتى أَنزل الله ﷿ في آخر هذه السورة التخفيف (عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ) فصار قيام الليل تطوعًا بعد الفريضة.
نقول: والظاهر أَن النسخ والتخفيف كان في حق الأُمة وبقيت فريضة قيام الليل على رسول الله ﷺ بدليل قوله تعالى: (وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا) وهذا رأَي كثير من المفسرين والفقهاءِ.
(وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلا) أَي: اقرأ القرآن على تمهل وتؤدة وذلك بإِشباع الحركات وتبيين الحروف بحيث يُمَكنُ السامع من عدها، وذلك من قولهم: ثغر رتل إِذا كان مفلجًا لم تتصل أَسنانه بعضها ببعض، وعن عليٍّ - كرم الله وجهه - أَن رسول الله ﷺ سئل عن هذه الآية فقال: "بيِّنْهُ تبيينا ولا تنثره نثر الدقل (¬١) ولا تهذّه هذَّ الشِّعر، وقفوا عند عجائبه، وحركوا به القلوب، ولا يكن هم أحدكم آخر السورة".
Juz 10, hlm. 1633 ›
Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.