تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه - الدرة
· محمد علي طه الدرة
سورة (سبأ): ﴿ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ،﴾ والآية رقم [١١٠] من سورة (طه) كلتاهما تخالفان معنى قوله تعالى: ﴿ما بَيْنَ أَيْدِينا وَما خَلْفَنا﴾ الآية رقم [٦٤] من سورة (مريم) على نبينا، وحبيبنا، وعليها ألف صلاة، وألف سلام، وهكذا والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿إِلاّ:﴾ أداة استثناء. ﴿مَنِ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مستثنى من ﴿أَحَداً،﴾ فهو استثناء متصل، وجوز السمين اعتباره منقطعا؛ أي: لكن من ارتضاه، فإنه يظهره على ما يشاء من غيبه بالوحي، ثم قال: ويجوز أن تكون من شرطية، أو موصولة متضمنة معنى الشرط، وقوله: ﴿فَإِنَّهُ..﴾. إلخ خبر المبتدأ على القولين، وهو من الاستثناء المنقطع أيضا. انتهى. وتفصيله كما يلي:
﴿مَنِ:﴾ اسم شرط مبني على السكون في محل نصب مفعول به مقدم لفعل شرطه، أو هو في محل رفع مبتدأ، والأول أقوى؛ لأن الفعل بعده متعد، ولم يستوف مفعوله. ﴿اِرْتَضى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف في محل جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (الله). ﴿مِنْ رَسُولٍ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من: (من)، و ﴿مَنِ﴾ بيان لما أبهم في (من). ﴿فَإِنَّهُ:﴾ الفاء:
واقعة في جواب الشرط. (إنه): حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿يَسْلُكُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (الله) أيضا. ﴿مِنْ بَيْنِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، و ﴿بَيْنِ﴾ مضاف، و ﴿يَدَيْهِ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه مثنى صورة، وحذفت النون للإضافة، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿وَمِنْ خَلْفِهِ:﴾ معطوفان على ما قبلهما. ﴿رَصَداً:﴾
مفعول به، وجملة: ﴿يَسْلُكُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه، كما رأيت في الآية رقم [١٤]. هذا؛ وإن اعتبرت (من) اسما موصولا فهي مبتدأ، والجملة بعدها صلة، والعائد محذوف، التقدير: الذي ارتضاه، والجملة الاسمية: ﴿فَإِنَّهُ يَسْلُكُ..﴾. إلخ في محل رفع خبره، واقترنت بالفاء؛ لأن الموصول يشبه الشرط في العموم، والكلام: ﴿مَنِ ارْتَضى..﴾. إلخ في محل نصب على الاستثناء المنقطع، كما رأيته سابقا.
﴿لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ وَأَحاطَ بِما لَدَيْهِمْ وَأَحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً (٢٨)﴾
الشرح: ﴿لِيَعْلَمَ﴾ أي: ليعلم محمد ﷺ: أنّ جبريل ﵇ قد بلغ إليه رسالات ربه.
وقيل: معناه: ليعلم محمد ﷺ: أن الرسل قبله قد أبلغوا رسالات ربهم إلى أقوامهم، وأن الله حفظهم، ودفع عنهم. وقيل: معناه: ليعلم الله علم ظهور، فإنه تعالى عالم بما كان، وما يكون أن رسله الكرام قد بلغوا عنه وحيه كما أوحاه إليهم محفوظا من الزيادة، والنقصان، فلا يخفى
Juz 10, hlm. 242 ›
عليه شيء من أمورهم، فقد قال المفسرون: ما جاء في القرآن من تعليل لعلم الله تعالى كقوله في سورة (البقرة) رقم [١٤٣]: ﴿وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلاّ لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ،﴾ وقوله تعالى في سورة (آل عمران) رقم [١٤٠]: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ،﴾ ومنها أيضا رقم [١٦٦]: ﴿وَما أَصابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ فَبِإِذْنِ اللهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وبعدها: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا﴾ فإنما هو علم ظهور، لا علم بداء، فإن الله تعالى عالم بالأشياء أزلا، وإنما يظهر علمه لعباده. ﴿وَأَحاطَ بِما لَدَيْهِمْ﴾ أي: أحاط علمه بما عند الرسل، وبما عند الملائكة، فلا يخفى عليه شيء من أمورهم.
﴿وَأَحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً﴾ أي: علم الله تعالى علم ضبط، واستقصاء جميع الأشياء، المنبثة في الأرضين والسموات، من القطر، والرمل، وورق الأشجار، وزبد البحار، فلا يغيب عنه شيء، ولا يخفى عليه أمر، فكيف لا يحيط علما بما عند رسله من رسالاته، ووحيه؛ التي أمرهم بتبليغها إلى خلقه؟! وكيف يمكن لرسله أن يفرطوا في تلك الرسالات، أو يزيدوا، أو ينقصوا، أو يحرفوا فيها، أو يغيروا منها، وهو تعالى محيط بها، محص لجميع الأشياء، جليلها وحقيرها؟ قال تعالى في سورة (الأنعام) رقم [٥٩]: ﴿وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلاّ هُوَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاّ يَعْلَمُها وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلاّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ﴾.
الإعراب: ﴿لِيَعْلَمَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل يعود إلى الله، أو إلى الرسول حسبما رأيت في الشرح، و «أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل ﴿يَسْلُكُ﴾ على اعتبار الفاعل عائدا إلى (الله)، أو بمحذوف تقديره: أخبرناه على اعتبار الفاعل عائدا إلى الرسول ﷺ. ﴿أَنْ:﴾
مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن محذوف، التقدير: أنه. ﴿قَدْ:﴾ حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿أَبْلَغُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل رفع خبر ﴿أَنْ،﴾ والمصدر المؤول من ﴿أَنْ﴾ واسمها، وخبرها في محل نصب سد مسد مفعول (يعلم). ﴿رِسالاتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، و ﴿رِسالاتِ:﴾ مضاف، و ﴿رَبِّهِمْ﴾ مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿وَأَحاطَ:﴾ الواو: واو الحال. (أحاط): فعل ماض، والفاعل يعود إلى (الله)، وهذا يؤكد عود فاعل (يعلم) إلى (الله)، والجملة الفعلية في محل نصب حال من فاعل (يعلم) المستتر، والرابط: الواو، والضمير، وهي على تقدير «قد» قبلها. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿لَدَيْهِمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة (ما)، فهو منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف المنقلبة ياء لاتصاله
Juz 10, hlm. 243 ›
بالضمير، الذي هو في محل جر بالإضافة. ﴿وَأَحْصى:﴾ الواو: حرف عطف. (أحصى): فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى (الله). ﴿كُلَّ:﴾ مفعول به، و ﴿كُلَّ﴾ مضاف، و ﴿شَيْءٍ﴾ مضاف إليه، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب حال مثلها. ﴿عَدَداً:﴾ تمييز، وقال الزمخشري، ومتابعوه: حال. هذا؛ وأجيز اعتباره مفعولا مطلقا؛ لأن أحصى بمعنى عدّ.
تنبيه: أذكر لك هنا الفرق بين الملائكة، والجن من تعريف علماء التوحيد للملائكة، والجن بما يلي: فالملائكة: أجسام نورانية لطيفة قادرة على التشكل، والتمثل بأية صورة أرادوا، لا يأكلون، ولا يشربون، لا يبولون، ولا يتغوطون، لا ينامون، ولا يموتون، لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون، لا يتناسلون، ولا يتناكحون، يلهمون التسبيح كما يلهمون النفس، لا يوصفون بذكورة، ولا بأنوثة، فمن وصفهم بذكورة فسق، ومن وصفهم بأنوثة كفر، ولهم قدرة خارقة، ولا تحكم عليهم الصورة، وهم كثيرون، لا يعلم عددهم إلا الله تعالى. قال تعالى في سورة (المدثر): ﴿وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاّ هُوَ﴾ يقومون بأعمال مختلفة، كل فيما وكل إليه من أعمال، ورؤساؤهم عشرة: جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، وعزرائيل، ورقيب، وعتيد، ومنكر، ونكير، ورضوان خازن الجنة، ومالك خازن النار، ويتشكلون بأشكال حسنة.
أما الجن؛ فهم أجسام نارية سفلية، مخلوقون من مارج من نار، أي: من أخلاط نار صافية، وأنهم قادرون على التشكل بأية صورة أرادوا، وفي الغالب يتشكلون بصور مخيفة، وأنهم يتناسلون، ولهم ذرية، وفيهم الذكر، والأنثى، وهم مكلفون كالبشر، وفيهم المؤمن والكافر، وأن الصورة تحكم عليهم. ومما تقدم يتبين لنا بوضوح أن بين خلق الملائكة، وبين خلق الجن تفاوتا واضحا، وتباينا ظاهرا في أصل الجبلة، والخلقة.
فالملائكة مخلوقون من نور، والجن مخلوقون من نار، يدل لذلك قول النبي ﷺ: «خلقت الملائكة من نور، وخلق الجانّ من مارج من نار، وخلق آدم ممّا وصف لكم». رواه مسلم، وقال تعالى في سورة (الحجر) رقم [٢٧]: ﴿وَالْجَانَّ خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نارِ السَّمُومِ﴾.
والملائكة ليس لهم نسل ولا ذرية، بخلاف الجن، فإنهم يتناسلون ويتناكحون، ولهم نسل وذرية. قال تعالى في سورة (الكهف) رقم [٥٠]: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾ فالملائكة يخلقهم الله خلقا جديدا مبتدأ؛ لأنه ليس فيهم ذكر، أو أنثى، حتى يحصل التناسل، أما الجن؛ ففيهم الذكر، والأنثى، ويقع بينهم التناكح والتناسل، كما هو الحال بين البشر.
والملائكة قادرون على التمثل بأمثال الأشياء، والتشكل بالأشكال الجسمانية، المحسوسة فقد ثبت ذلك في النصوص العديدة من الكتاب والسنة. قال تعالى عن جبريل ﵇:
Juz 10, hlm. 244 ›
Pembahasan ayat ini masih 2 halaman lagi. Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.