تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه - الدرة
· محمد علي طه الدرة
و ﴿الْغَيْبِ﴾ مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية المقدرة: «هو عالم» مستأنفة، لا محل لها، واعتبارها حالا من ﴿رَبِّي﴾ ضعيف. ﴿فَلا:﴾ الفاء:
حرف استئناف، وتفريع. (لا): نافية. ﴿يُظْهِرُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «هو» يعود على ما قبله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿عَلى غَيْبِهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿أَحَداً:﴾ مفعول به.
﴿إِلاّ مَنِ اِرْتَضى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً (٢٧)﴾
الشرح: ﴿إِلاّ مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ﴾ أي: فإن الله يظهره على شيء من غيبه، فهو كقوله تعالى في آية الكرسي: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاّ بِما شاءَ؛﴾ لأن الرسل مؤيدون بالمعجزات، ومنها: الإخبار عن بعض الغائبات. قال تعالى حكاية عن قول عيسى-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-في سورة (آل عمران) رقم [٤٩]: ﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾ والمعنى لا يظهر الله على غيبه إلا من اصطفى للنبوة، فإنه يطلعه على ما يشاء من غيبه ليكون ذلك دالا على نبوته.
قال العلماء-رحمهم الله تعالى-: لما تمدح سبحانه بعلم الغيب، واستأثر به دون خلقه؛ كان فيه دليل على أنه لا يعلم الغيب أحد سواه، ثم استثنى من ارتضاه من الرسل، فأودعهم ما شاء من غيبه بطريق الوحي إليهم، وجعله معجزة لهم، ودلالة صادقة على نبوتهم، وليس المنجم، ومن ضاهاه ممّن يضرب بالحصى، وينظر في الكتب، ويزجر بالطير ممن ارتضاه الله من رسول، فيطلعه على ما يشاء من غيبه، بل هو كافر بالله، مفتر عليه بحدسه، وتخمينه، وكذبه.
قال بعض العلماء: وليت شعري ما يقول المنجم في سفينة ركب فيها ألف إنسان، على اختلاف أحوالهم، وتباين رتبهم، فيهم: الملك، والسوقة، والعالم، والجاهل، والغني، والفقير، والكبير، والصغير، مع اختلاف طوالعهم، وتباين مواليدهم، ودرجات نجومهم، فعمهم حكم الغرق في ساعة واحدة؟ فإن قال المنجم قبحه الله تعالى: إنما أغرقهم الطالع، الذي ركبوا فيه، فيكون على مقتضى ذلك: أن هذا الطالع أبطل أحكام تلك الطوالع كلها على اختلافها عند ولادة كل واحد منهم، وما يقتضيه طالعه المخصوص به، فلا فائدة أبدا في عمل المواليد، ولا دلالة فيها على شقي، ولا سعيد، ولم يبق إلا معاندة القرآن العظيم، وفيه استحلال دمه على هذا التنجيم، ولقد أحسن الشاعر حيث قال: [الكامل]
حكم المنجّم أنّ طالع مولدي... يقضي عليّ بميتة الغرق
قل للمنجّم صبحة الطوفان هل... ولد الجميع بكوكب الغرق؟!
Juz 10, hlm. 239 ›
قيل لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب-﵁-لما أراد لقاء الخوارج: أتلقاهم؛ والقمر في العقرب؟! فقال-﵁، وكرم الله وجهه: فأين قمرهم؟! وكان ذلك في آخر الشهر، فانظر إلى هذه الكلمة التي أجاب بها، وما فيها من المبالغة في الرد على من يقول بالتنجيم، والإفحام لكل جاهل يحقق أحكام النجوم! وقال له مسافر بن عوف: يا أمير المؤمنين! لا تسر في هذه الساعة، وسر في ثلاث ساعات يمضين من النهار، فقال له-﵁:
ولم؟ قال: إنك إن سرت في هذه الساعة؛ أصابك، وأصاب أصحابك بلاء، وضر شديد، وإن سرت في الساعة التي أمرتك بها ظفرت، وظهرت، وأصبت ما طلبت! فقال-﵁:
ما كان لمحمد ﷺ منجم، ولا لنا من بعده، في كلام طويل يحتج فيه بآيات التنزيل، فمن صدقك في هذا القول لم آمن عليه أن يكون كمن اتخذ من دون الله ندّا، أو ضدّا. اللهم لا طير إلا طيرك، ولا خير إلا خيرك، ثم قال للمتكلم: نكذبك، ونخالفك، ونسير في الساعة التي تنهانا عنها.
ثم أقبل على الناس، فقال: أيها الناس! إياكم وتعلم النجوم إلا ما تهتدون به في ظلمات البر، والبحر، وإنما المنجم كالساحر، والساحر كالكافر، والكافر في النار، والله لئن بلغني أنك تنظر في النجوم، وتعمل بها؛ لأخلدنك في الحبس ما بقيت، وبقيت! ولأحرمنك العطاء ما كان لي سلطان! ثم سافر في الساعة التي نهاه عنها، ولقي القوم، فقتلهم، وهي وقعة النهروان الثابتة في الصحيح لمسلم، ثم قال: لو سرنا في الساعة، التي أمرنا بها، وظفرنا، وظهرنا؛ لقال قائل: سار في الساعة، التي أمر بها المنجم، ما كان لمحمد ﷺ منجم، ولا لنا من بعده، وفتح الله علينا بلاد كسرى، وقيصر، وسائر البلدان، ثم قال: أيها الناس! توكلوا على الله، وثقوا به، فإنه يكفي عن سواه. انتهى. قرطبي بحروفه.
أقول: ومن هذه المشكاة ما قيل للمعتصم العباس حينما أراد غزو عمورية، ولكنه خالف المنجم، وانتصر، وفي ذلك قال شاعره أبو تمام: [البسيط]
السّيف أصدق أنباء من الكتب... في حدّه الحدّ بين الجدّ واللعب
أقول: نص الآية الكريمة يفيد صراحة: أن الله ﷿ يطلع من ارتضى، واختار من الرسل على شيء من الغيب، وكذلك يطلع بعض أوليائه على شيء منه، وقد أثبت أهل السنة كرامات الأولياء، خلافا للمعتزلة، وأن الله-﷿-يجوز أن يلهم بعض أوليائه وقوع بعض الوقائع في المستقبل، فيخبر به، وهو من إطلاع الله إياه على ذلك، ويدل على ذلك ما روي عن أبي هريرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ: «لقد كان فيمن قبلكم من الأمم ناس محدّثون، من غير أن يكونوا أنبياء، وإن يكن في أمتي أحد؛ فإنه عمر بن الخطاب». أخرجه البخاري. قال ابن وهب: تفسير «محدثون»: ملهمون. ولمسلم عن عائشة-﵂-عن
Juz 10, hlm. 240 ›
النبي ﷺ أنه كان يقول: «قد كان في الأمم قبلكم محدّثون، فإن يكن في أمّتي منهم أحد، فإن عمر بن الخطاب منهم». ففي هذا إثبات كرامات الأولياء. انتهى. خازن بتصرف.
أما الكهانة فقد نهى الرسول ﷺ عنها، ونهى عن تصديق الكهان، وعن الجلوس إليهم، والأخذ منهم. وخذ ما يلي:
عن عمران بن حصين-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ: «ليس منّا من تطيّر، أو تطيّر له، أو تكهّن، أو تكهّن له، أو سحر، أو سحر له، ومن أتى كاهنا فصدّقه بما يقول؛ فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ». رواه الطبراني، والبزار، ورحم الله من يقول: [البسيط]
لا يعلم المرء ليلا ما يصبّحه... إلا كواذب ممّا يخبر الفال
والفأل والزجر والكهّان كلّهم... مضلّلون ودون الغيب أقفال
وقال آخر: [البسيط]
دع المنجم يكبو في ضلالته... إن ادّعى علم ما يجري به الفلك
تفرّد الله بالعلم القديم فلا... يشركه فيه إنسان ولا ملك
﴿فَإِنَّهُ يَسْلُكُ:﴾ يدخل. ﴿مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ:﴾ من أمامه. ﴿وَمِنْ خَلْفِهِ:﴾ والمراد جميع جهاته.
﴿رَصَداً:﴾ حراسا من الملائكة يحرسونه، والضمير يعود إلى من ارتضاه، فيحفظ الوحي من استراق الشياطين السمع، وإلقائه إلى الكهنة. قال الضحاك: ما بعث الله نبيا إلا ومعه ملائكة يحرسونه من الشياطين عن أن يتشبهوا بصورة الملك، فإذا جاءه شيطان في صورة الملك. قالوا:
هذا شيطان؛ فاحذره، وإن جاءه الملك؛ قالوا: هذا رسول ربك.
هذا؛ والرصد: القوم يرصدون كالحرس، يستوي فيه الواحد، والجمع، والمذكر، والمؤنث، وربما قالوا: أرصادا، والراصد للشيء: الراقب له، يقال: رصده، يرصده رصدا، ورصدا، والترصد: الترقب، والمرصد: موضع الرصد، وفي سورة (التوبة) رقم [٥]: ﴿وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ،﴾ وفيها أيضا رقم [١٠٧]: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصاداً لِمَنْ حارَبَ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾. ومعنى ﴿يَسْلُكُ﴾ يرسل ويجعل من أمام الرسول المرتضى ومن خلفه ملائكة حراسا يحفظونه من الجن، ويحرسونه في ضبط ما يلقيه الله تعالى إليه من علم الغيب. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
هذا؛ والتعبير عن الأمام، والخلف بقوله تعالى: ﴿مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾ كثير في القرآن الكريم، وإن اختص كل موضع بتفسير حسب مقتضيات الأحوال، واختلافها، فمثلا قوله تعالى في الآية رقم [٢٨] من سورة (الأنبياء) يفسر بغير ما في هذه الآية، وكذلك الآية رقم [٩] من
Juz 10, hlm. 241 ›
Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.