التفسير الوسيط - الزحيلي
· وهبة الزحيلي
على تلك النّعم، فإن هم أطاعوا ربّهم أثبناهم، وإن عصوه عاقبناهم في الآخرة، وسلبناهم النعمة، والاستقامة على الطريقة: على طريقة الإسلام والحق. وقوله:
لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ لنختبرهم.
ومن يعرض عن القرآن أو عن الموعظة الحسنة، فلا يأتمر بالأوامر، ولا ينتهي عن النواهي، يدخله ربّه عذابا شاقّا، صعبا لا راحة فيه.
وكلمة عَذاباً صَعَداً معناه شاقّا، تقول: فلان في صعد من أمره، أي في مشقّة.
هذه أحوال الجن مع رسالة النّبي ﷺ، تتضمن كونهم أقساما وفرقا مختلفة وجماعات متفاوتة، كأحوال الإنس.
النوع الثالث والرابع والخامس من أخبار الجنّ
أخبر الله تعالى في سورة الجنّ عن النوع الثالث والرابع والخامس من أخبار الجنّ، الموحى به، وتتضمن الاعلام بأهمية المساجد لأداء الصلاة، وبأن دعوة النّبي ﷺ دعوة خالصة إلى الله ﷿، وترك الإشراك به، وأنه لا يملك لأحد ضرّا ولا نفعا، وأن لا ملجأ من الله إلا إليه، وأن مهمته مقصورة على تبليغ الوحي المنزل عليه، وأنه لا يعلم وقت تعذيب المشركين، وإنما ذلك مختص بالله تعالى، فهذا غيب، والله تعالى هو عالم الغيب الذي لا يطلع عليه إلا من ارتضى من رسول، وأن مدّعي الغيب من الجنّ والكهان وغيرهم هم كذبة، لا يعرفون حقيقة أنفسهم، وهذا يتضح في صريح الآيات الآتية:
[سورة الجن (٧٢) : الآيات ١٨ الى ٢٨]
وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً (١٨) وَأَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً (١٩) قُلْ إِنَّما أَدْعُوا رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً (٢٠) قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَداً (٢١) قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً (٢٢)
إِلاَّ بَلاغاً مِنَ اللَّهِ وَرِسالاتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَداً (٢٣) حَتَّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ ناصِراً وَأَقَلُّ عَدَداً (٢٤) قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ ما تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَداً (٢٥) عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً (٢٦) إِلاَّ مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً (٢٧)
لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ وَأَحاطَ بِما لَدَيْهِمْ وَأَحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً (٢٨)
«١»
Juz 3, hlm. 2754 ›
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» [الجنّ: ٧٢/ ١٨- ٢٨] .
أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: قالت الجنّ: يا رسول الله، ائذن لنا، فنشهد معك الصلوات في مسجدك، فأنزل الله: وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً (١٨) .
وقوله تعالى: وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ معطوف على قوله تعالى: قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ وهو النوع الثالث من الموحى به، على معنى: إن عبادتكم أيها الجنّ حيث كنتم مقبولة.
المعنى: لقد أوحي إلي أن المساجد مختصة بالله، فلا تعبدوا فيها غير الله أحدا، ولا تشركوا به فيها شيئا. والمساجد كما قال الحسن البصري أراد بها: كل مكان أو موضع سجد فيه، سواء كان مخصوصا لذلك أو لم يكن، إذ الأرض كلها مسجد لهذه الأمة.
قال النبي ﷺ فيما رواه البخاري ومسلم والنّسائي- عن جابر: «جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا»
كأنه تعالى قال: الأرض كلها مخلوقة لله تعالى، فلا تسجدوا عليها لغير خالقها.
والنوع الرابع من جملة الموحى به: أنه لما قام عبد الله النّبي ﷺ يدعو الله ويعبده،
Juz 3, hlm. 2755 ›
كاد الجنّ يكونون عليه جماعات متراكمين عليه من الازدحام، لسماع القرآن منه، وتعجبا مما رأوا من عبادته، لأنهم رأوا ما لم يروا مثله.
قل أيها النّبي لمن تجمعوا حولك لإبطال دينك: إنما أدعو ربّي، وأعبده وحده لا شريك له، وأستجير به، وأتوكل عليه، ولا أشرك في العبادة معه أحدا.
وسبب نزول هذه الآية، كما ذكر الشوكاني-: أن كفار قريش، قالوا للنّبي ﷺ: إنك جئت بأمر عظيم، وقد عاديت الناس كلهم، فارجع عن هذا، فنحن نجيرك.
قل أيها النبي أيضا لهؤلاء القوم: لا يدفع عني أحد من عذاب الله إن أنزله بي، ولا نصير ولا ملجأ لي من غير الله أحد، ولا يجيرني من الله ويخلصني إلا إبلاغي الرسالة التي أوجب أداءها علي، فأبلّغ عن الله، وأعمل برسالاته، أمرا ونهيا، فإن فعلت ذلك نجوت، وإلا هلكت.
أخرج ابن جرير عن حضرمي أنه ذكر أن جنيّا من الجنّ، من أشرافهم، ذا تبع قال: إنما يريد محمد أن يجيره الله، وأنا أجيره، فأنزل الله: قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ الآية.
وقوله تعالى: إِلَّا بَلاغاً قال الحسن البصري ما معناه: إنه استثناء منقطع، والمعنى: لن يجيرني من الله أحد إلا بلاغا، فإني إن بلّغت رحمني بذلك، والإجارة للبلاغ مستعارة إذ هو سبب إجارة الله تعالى ورحمته. وقال بعض النّحاة: على هذا المعنى هو استثناء متصل، والمعنى: لن أجد ملتحدا إلا بلاغا، أي شيئا أميل إليه وأعتصم به، إلا أن أبلّغ وأطيع فيجيرني الله. والتقدير كما قال قتادة: لا أملك إلا بلاغا، فأما الإيمان والكفر فلا أملكه.
وجزاء العصاة الذين لا يمتثلون موجب التبليغ عن الله تعالى: هو أنني أبلغكم
Juz 3, hlm. 2756 ›
Pembahasan ayat ini masih 2 halaman lagi. Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.