التفسير المنير - الزحيلي
· وهبة الزحيلي
٤ - إنّ نتيجة التّمرّد والعتو والطّغيان هي الانهيار والدّمار، وقد دمّر الله عادا بسبب تكذيبهم بآيات الله، وكفرهم وعدم إيمانهم، فعصف بهم بالرّيح العاتية.
٥ - نجّى الله هودا وجماعة الإيمان؛ لاستحقاقهم الرّحمة بسبب إيمانهم، وأنزل على عاد عذاب الاستئصال الذي هو الرّيح، معجزة لهود ﵇.
قصة صالح ﵇
﴿وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً قالَ يا قَوْمِ اُعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هذِهِ ناقَةُ اللهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللهِ وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٧٣) وَاُذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ عادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِها قُصُوراً وَتَنْحِتُونَ الْجِبالَ بُيُوتاً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٧٤) قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اِسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اُسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صالِحاً مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قالُوا إِنّا بِما أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ (٧٥) قالَ الَّذِينَ اِسْتَكْبَرُوا إِنّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كافِرُونَ (٧٦) فَعَقَرُوا النّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقالُوا يا صالِحُ اِئْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧٧) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ (٧٨) فَتَوَلّى عَنْهُمْ وَقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلكِنْ لا تُحِبُّونَ النّاصِحِينَ (٧٩)﴾
Juz 8, hlm. 267 ›
الإعراب:
﴿آيَةً﴾ حال، عاملها معنى الإشارة، وكانوا سألوه أن يخرجها من صخرة عينوها ﴿بُيُوتاً﴾ حال مقدرة لأن الجبل لا يكون بيتا في حال النّحت. ﴿لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ﴾ بدل من قوله: ﴿لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ بإعادة العامل الجارّ، كقوله تعالى: ﴿وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ﴾ [الزّخرف ٣٣/ ٤٣]: فقوله: ﴿لِبُيُوتِهِمْ﴾ بدل من قوله: ﴿لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ﴾ وهذا يدلّ على أن العامل في البدل غير العامل في المبدل منه.
أما الضمير ﴿مِنْهُمْ﴾ فإن رجع إلى ﴿قَوْمِهِ﴾ فهو بدل الشيء من الشيء، وهما لعين واحدة، وإن رجع إلى ﴿لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ فهو بدل بعض من كلّ. وعلى الأوّل يكون المعنى: أن استضعافهم كان مقصورا على المؤمنين، وعلى الثاني لم يكن الاستضعاف مقصورا عليهم، ويدلّ على أن المستضعفين كانوا مؤمنين وكافرين.
البلاغة:
﴿هذِهِ ناقَةُ اللهِ﴾ إضافة تشريف وتكريم.
﴿وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ﴾ التّنكير للتّقليل والتّحقير، أي لا تمسّوها بأدنى سوء.
﴿مُؤْمِنُونَ﴾ و ﴿كافِرُونَ﴾ بينهما طباق.
المفردات اللغوية:
﴿ثَمُودَ﴾ قبيلة عربية كانت تسكن الحجر بين الحجاز والشّام، إلى وادي القرى قرب تبوك، سمّوا باسم جدّهم: ثمود بن عامر بن إرم بن سام بن نوح. فإذا كانت ممنوعة من الصّرف فيراد بها القبيلة، وإذا صرفت يراد بها الحي، أو باعتبار الأصل؛ لأنه اسم أبيهم الأكبر.
﴿أَخاهُمْ صالِحاً﴾ هو نبيّهم، وكان من أشرفهم نسبا وأعلاهم حسبا، وأخوته لثمود كأخوة
Juz 8, hlm. 268 ›
هود لقومه: أخوة في القبيلة أو الجنس، أي من بني آدم ومن جنسهم لا من جنس الملائكة، فهي أخوة في النّسب لا في الدّين.
﴿بَيِّنَةٌ﴾ معجزة ظاهرة الدّلالة من الله على صدقه. ﴿وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ﴾ بعقر أو ضرب.
﴿وَاذْكُرُوا﴾ تذكّروا ﴿إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ﴾ أي في الأرض. ﴿وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ أسكنكم فيها أو أنزلكم فيها، والأرض: أرض الحجر بين الحجاز والشام. ﴿مِنْ سُهُولِها قُصُوراً﴾ تسكنونها في الصيف. ﴿وَتَنْحِتُونَ الْجِبالَ بُيُوتاً﴾ تسكنونها في الشتاء. والنّحت: نحر الشيء الصّلب.
﴿فَاذْكُرُوا آلاءَ اللهِ﴾ تذكّروا نعم الله الكثيرة. ﴿وَلا تَعْثَوْا﴾ من العثيّ والعثو: الفساد.
﴿اِسْتَكْبَرُوا﴾ تكبّروا عن الإيمان به.
﴿فَعَقَرُوا النّاقَةَ﴾ نحروها بالذّبح، وأصل العقر: الجرح، وعقر الإبل: قطع قوائمها، وكانوا يفعلون ذلك بها قبل نحرها لتموت في مكانها ولا تنتقل. والذي عقرها هو: «قدار بن سالف» حيث قتلها بأمرهم بالسّيف، وإنّما نسب الفعل إليهم جميعا؛ لأن العقر كان برضاهم وأمرهم، والآمر والرّاضي بالفعل: شريك في الجريمة.
﴿وَعَتَوْا﴾ تمرّدوا مستكبرين. ﴿الرَّجْفَةُ﴾ الزّلزلة الشديدة من الأرض أو الحركة والاضطراب، والصّيحة من السّماء. ﴿جاثِمِينَ﴾ باركين على الرّكب، أو قاعدين لا حراك بهم، والمراد: أنهم أصبحوا جثثا هامدة ميتة لا تتحرّك.
المناسبة:
بعد أن ذكر الله في أوّل السّورة قصة آدم الدّالة على قدرته وتوحيده وربوبيته، وأقام الأدلّة الدّامغة على صحّة البعث بعد الموت، أتبع ذلك بقصص الأنبياء وموقف أقوامهم المعاندين لهم، فذكر قصة نوح ثمّ قصة هود، ثم قصة ثمود، وكان قوم ثمود يتلون قوم عاد في الوجود والظّهور بين الأمم، كما قال تعالى على لسان صالح ﵇: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ عادٍ﴾.
أضواء من التاريخ:
ثمود بن عاثر بن إرم بن نوح، وهو أخو جديس بن عائز، وكذلك قبيلة طسم، كلّ هؤلاء من العرب العاربة البائدة قبل إبراهيم الخليل ﵇.
Juz 8, hlm. 269 ›
Pembahasan ayat ini masih 9 halaman lagi. Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.